الرئيسية » الركن الديني » الدين الإسلامي » الجامع الأموي من أقدم معابد التاريخ الإنساني

الجامع الأموي من أقدم معابد التاريخ الإنساني

عليك ان تمر بالجامع الاموي, مسلما كنت او مسيحيا, سائحا او عابر سبيل, متبركا او متفرجا, فلا تصح الزيارة دون رؤياه, ولا تتم الفرجة الا بالتمتع بمشاهدة واحد من اهم المعالم الدينية والتاريخية والمعمارية في سوريا والعالم الاسلامي.

في قلب المدينة القديمة ,العاصمة الأقدم في العالم يقع الجامع الأموي الذي يزخر بتاريخ حافل على مر العهود والحضارات التي تعاقبت عليه , يختزل تاريخ العمارة الإسلامية بهندسة بنائه الفريدة وبما يحويه من روائع التحف واللوحات الفسيفسائية .

الجامع الأموي بدمشق..تحفة الفن المعماري

توارثته أديان مختلفة وأقيمت فيه شعائر دينية متباينة بعد أن كان سوقاً في العهد القديم و تحول إلى معبد آرامي ومع الزمن إلى كنيسة ثم جامع .‏‏
تميز بسعته وارتفاع مبناه، وجمال مآذنه الثلاث وقبته،وفيه أول مئذنة في الإسلام, وفي حرمه ضريح يوحنا المعمدان بقايا معبد جوبيتر الدمشقي.‏‏
هو من أهم وأكبر الجوامع الذي لا زال محافظاً على مكانته الدينية والاجتماعية والسياحية وعلى أهم المعالم التاريخية فيه والمعمارية والتي تعتبر من روائع فن العمارة الإسلامية ,وهو قبلة المسلمين والمؤمنين حتى عصرنا هذا .‏‏
الجامع الأموي بدمشق..تحفة الفن المعماري

أقدم المعابد‏‏
كما نعلم إن دمشق أقدم مدن العالم وبالتالي فإن معبدها من أقدم المعابد في التاريخ الإنساني فقد كرّس للعبادة منذ آلاف السنين، منذ بداية العهد الآرامي في مطلِع الألف الأول قبل الميلاد إذ نسب للآلهة (حدد)، وصار معبداً للآلهة جوبيتر أثناء استيلاء الرومان على المنطقة وبعد ذلك تحوّل إلى كنيسة حملت اسم (يوحنا المعمدان ) أواخر القرن الرابع الميلادي، وتشير المصادر إلى أن رأس النبي يحيى مدفون في داخل حرم المسجد, وحين آل للعرب زمن الخليفة الوليد بن عبد الملك حوّله إلى مسجد,وعلى الرغم من أنه احترق 9 مرات وضربته الزلازل 6 مرات ودمره المغول ثم التتار إلا أنه كان يعاد بناؤه في كل مرة.‏‏
ا لمعبد الآرامي‏‏
وبالعودة إلى أقدم معبد كان موجوداً في موقع الجامع في الألف الأول قبل الميلاد نجد أنه كان هيكل للإله (حدد) الآرامي كما سبق وأشرنا، وهو إله العاصفة والمطر والخصب، وكان يعبد في دمشق، ولم يبق من آثار هذا المعبد التي بلغت مساحته 300× 380م ، إلاّ لوح من الحجر البازلتي الأسود نحتت عليه صورة لأسد مجنح وقد عثر على هذا اللوح الحجري في الجدار الشمالي عند القيام بإعادة ترميم الجامع وإصلاحه، وهو محفوظ في المتحف الوطني بدمشق حتى الآن ، وفي العصر الهلنستي اتخذ اليونانيون المكان معبداً لهم.‏‏
الجامع الأموي بدمشق..تحفة الفن المعماري

معبد جوبيتر – الدمشقي‏‏
كانت دمشق من أهم المدن ومركزاً هاماً للحضارة عقب سيطرة الرومان على المدينة ، تحول المعبد إلى اسم معبد جوبيتر الدمشقي, وأنشئ على أنقاض المعبد الآرامي وكان يقع ضمن باحتين الأولى داخل الثانية ، وكل باحة محاطة بسور خاص لها، الخارجي وهو السور الحالي للمسجد الآن ,ومن المرجح أن التغييرات عقب هذا التحول لم تكن كثيرة رغم الكتابات التي تشير إلى أنه تطور بشكل واسع في عهد السلوقيين والرومان,لا تزال بقايا هذا المعبد موجودة حتى الآن إلى الغرب من الجامع الأموي حيث تظهر بقايا الأعمدة الرومانية (الكورنثية) ومقدمة القوس الرئيسية في المعبد.‏‏
كنيسة القديس مار يوحنا المعمدان‏‏
وفي عهد الإمبراطور الروماني تيودوس الأول 379 م – 395 م تحول المعبد إلى كنيسة باسم كنيسة القديس يوحنا المعمدان الموجود ضريحه داخل الجامع والمعروف أيضا باسم (النبي يحيى) ,وأهم الآثار المسيحية المتبقية رأس القديس يوحنا المعمدان و جرن المعمودية , وهو جرن رخامي عظيم القدم تظهر على جوانبه آثار المستحاثات .‏‏
التعايش الديني‏‏
في السنة الرابعة عشرة للهجرة 650 ميلادية تم الفتح العربي الإسلامي لدمشق وحررت من الحكم البيزنطي، ووقع خيار المسلمين على المعبد فأخذوا أقسامه المهملة والمفتوحة في شرقي الحرم، وكان أول محراب في الإسلام (محراب الصحابة) على الجدار الجنوبي حيث أخذ المسلمون النصف الشرقي من المعبد، وأقاموا عليه مسجدهم وتركوا القسم الغربي منه للمسيحيين، ودام الجوار بين الكنيسة والمسجد ما يقارب الـ 70 عاماً وإن دل هذا فإنما يدل على ذلك التعايش الحميم بين الأديان، مكرسين بذلك حقيقة أن بلاد الشام كانت على مر العصور ساحة حرّة طيبة لكافة الأديان، واللافت أن المسيحيين والمسلمين المتجاورين بالكنيسة والمسجد وهم يتقاسمون المكان كانوا يدخلون إلى مناسكهم من باب واحد.‏‏
الجامع الأموي بدمشق..تحفة الفن المعماري

هندسته الفريدة‏‏
وفي عهد الخليفة الأموي (الوليد بن عبد الملك) أشهر خلفاء بني أمية، تم الاتفاق بينه وبين القساوسة على أن يضم كنيسة (مار يوحنا المعمدان) إلى المسجد، لقاء أن يقيموا ويحافظ المسلمون على أربع كنائس أكثرها في منطقة الباب الشرقي وباب توما.‏‏
وبدأ الخليفة ببناء وتوسيع المسجد في العام 586 هـ واستغرقت عملية البناء عشر سنوات، شارك في العمل 12 ألف عامل ومختص وفني، وقد قيل إن التكلفة بلغت في حينها ستة ملايين دينار،أي ما يعادل خراج الدولة سبع سنوات، لينتهي العمل في العام 596 هـ ويخرج بصورته البهيّة وفق تصميم جديد مبتكر يتجاوب مع شعائر الدين الإسلامي وأغراض الحياة العامة ويليق بعظمة الدولة الإسلامية وعاصمتها دمشق، فجاء فريداً في هندسته لم يُبن على نسقه في العهود السابقة أي بناء آخر مزيّناً بأجمل اللوحات الفسيفسائية التي تعبّر عن الفن الإسلامي في تلك المرحلة، وفيه أكثر من مئة نافذة مزيّنة بالزجاج المعشّق، والخشب المزخرف، والمنبر، والمحراب , ولم يكن الجامع الأموي الكبير مجرد مصلى، بل كان بعظمة بنائه وأهميته في دمشق عاصمة الدولة العربية الأموية مركزاً لفعاليات مختلفة، كان من أهمها الفعاليات السياسية، ففي هذا الصرح الرائع بزخارفه جلس الخليفة يستقبل عماله ورسله، يقاضي الناس ويفصل في أمور البلاد.‏‏
تحفة معمارية خالدة‏‏
يقع الجامع وسط مدينة دمشق ومخطط البناء يعتمد على تخطيط المساجد الأولى في الإسلام، وكان يقوم على تقسيم المسجد إلى بيت الصلاة وإلى فناء مفتوح،وقد استبقى الوليد بن عبد الملك الجزء السفلي من جدار القبلة الأثري وأعاد الجدران الخارجية والأبواب، وأنشأ حرم المسجد مسقوفًا مع القبة ( قبة النسر) والقناطر وصفوف الأعمدة الداخلية.‏‏
الجامع الأموي بدمشق..تحفة الفن المعماري

المعالم العمرانية‏‏
للمسجد شكل مستطيل تبلغ مساحة 157×97م ,يحتل جانبه الشمالي صحن مكشوف مساحته22.5×60م ,تحيط به أروقة مسقوفة، ويحتل قسمه الجنوبي المصلى (الحرم ) وتبلغ مساحته136×37م، وللمسجد سور مرتفع مبني بالحجر المنحوت، وهو من رسوم المعبد الروماني لا يزيد ارتفاعه على 5م ، ثم زاد «الوليد بن عبد الملك» ارتفاعه إلى ما يزيد على 14م, وكان السور مزوداً في أركانه بأبراج مربعة، مؤلفة من عدة طبقات يصعد إليها بدرج من الداخل، بقي منها اثنان في الجهة الجنوبية، فأقيمت عليهما مئذنتان.‏‏
أبواب الجامع‏‏
وللمسجد أربعة أبواب:باب البريد من الغرب ,باب جرون من الشرق ,و باب الكلاسة من الشمال, و باب الزيادة من الجنوب وينفتح من داخل الحرم.‏‏
ومن الجنوب تنفتح أبواب الحرم التي أصبحت مغلقة بأبواب خشبية تعلوها قمريات زجاجية ملونة مع كتابات وزخارف رائعة.‏‏
صحن الجامع‏‏
محاط من جوانبه الثلاثة بأروقة وأعمدة شامخة ارتفاعها 15.35م،ويتضمن الصحن ثلاث قباب هي:‏‏
القبة الغربية (قبة المال) أنشأها الفضل بن صالح بن علي العباسي أيام المهدي سنة 171هـ ويظهر أنها كانت مغلقة والناس يتوهمون أن فيها مالاً، وعندما فتحت في زمن «سيباي» سنة 922هـ لم يجدوا فيها إلا أوراقاً ومصاحف بالخط الكوفي، وتدعى أيضاً( قبة الخزنة)، وهي محمولة على ثمانية أعمدة مغروسة في البلاط دون قواعد وما زالت تحتفظ بتيجانها الكورانثية الجميلة.‏‏
القبة الشرقية وتعرف بقبة (زين العابدين)، كانت تسمى قبة يزيد ,وتسمى الآن قبة الساعات إذ كانت فيها ساعات المسجد.‏‏
القبة الثالثة قبة(البحرة الفوارة) وهي وسط صحن الجامع، وأنشئت على بحرة ماء واسعة كانت من الرخام وأقيمت سنة 369هـ.‏‏
أما أرض الصحن فكانت كلها مغطاة بفصوص الفسيفساء وبقي كذلك إلى حريق سنة 461م فهدمت القنطرة الرومانية عند الباب الشرقي ونشرت حجارتها، وبدىء تبليط صحن الجامع, وفي سنة 611هـ جددت أرض الجامع من الداخل بعدما صارت حفراً، أما البلاط الحالي فقد رصف سنة 1300هـ على عهد الناظر الشيخ أحمد الحلبي، وأقدم قطعة من البلاط اليوم هي أمام العمود الرابع من الرواق الغربي، وفيها حجران كبيران يظهر أنهما من القنطرة التي هدمت لرصف الجامع بالبلاط سنة 602هـ.‏‏
أنشئت أروقة تحيط بصحن الجامع الكبير وأقيمت في أركان الجامع الأربعة صومعة ضخمة، ولكن زلزالًا لاحقًا أتى على المنارتين الشماليتين للجامع، فاستعيض عنها بمنارة في وسط الجدار الشمالي، وأصبح للمسجد ثلاث منارات اثنتان في طرفي الجدار الجنوبي، وواحدة في منتصف الجدار الشمالي .‏‏
أول مئذنة في الإسلام‏‏
وتم بناء أول مئذنة في الإسلام عرفت (بمئذنة العروس) وللمسجد اليوم ثلاث مآذن ,وقبة كبيرة قبة النسر, وثلاث قباب في صحنه .‏‏
أما الجدران فهي مكسوة بالفسيفساء، وما خلف الأروقة مشاهد زوايا وغرف، والمشاهد عبارة عن قاعات مستطيلة كبيرة استخدمت كمساجد صغيرة ملحقة بالجامع، وكان لكل منها إمام خاص، وتتوزع أربعة مشاهد على محيط المسجد، وهي مشهد عثمان أو المشهد الكمالي، ومشهد أبي بكر أو مشهد عروة، مشهد عمر، ومشهد علي أو مشهد زين العابدين المعروف بمشهد الحسين, ولوحات جداريه ضخمة من الفسيفساء وقاعات ومتحف، في داخلة ضريح النبي يحيى علية السلام وبجواره يرقد البطل صلاح الدين الأيوبي وبالقرب منه الكثير من مقامات وأضرحة رجال ومشاهير الإسلام، وقد صلى فيه أهم المشاهير في تاريخ الإسلام والفاتحين وعدد كبير من الصحابة والسلاطين والخلفاء والملوك والولاة وأكبر علماء المسلمين، وهو أول جامع يدخله أحد باباوات روما عندما زار مدينة دمشق,وكان ذلك عام 2001 م عندما قام بزيارته البابا يوحنا بولس الثاني, وللجامع تاريخ حافل في كافة العصور قبل الإسلام وفي العصر الإسلامي.‏‏
المصلى(الحرم)‏‏
تبلغ أبعاد الحرم 137× 136م, وهو مؤلف من أروقة موازية للقبة محمولة على صفين من الأعمدة الحجرية ، ويغطي الحرم سقوف سنامية الشكل تعرف باسم (الجمالونات) ويتوسطها سقف جمالوني رئيسي مفلطح الشكل يدعى (الغارب)وعليه قبة النسر .‏‏
أما في باحة الجامع فهناك بقعة من الأرض تحت فناءٍ مسقوف، إذا ما وقف الزائر في منتصفها وضرب عليها بقدمه، فإنه يسمع صدىً عميقاً لهذه الضربات, ومردّ ذلك هو أن هذه البقعة حسب خبراء الآثار، كانت مدخلاً أو مخرجاً لنفق طويل يربط كنيسة القديس يوحنا (الجامع الأموي) بكنيسة حنانيا، وهي كنيسة صغيرة تبعد عن المكان بما يقل عن الميل، وتقع إلى الجهة الشمالية من الباب الشرقي لدمشق في نهاية طريق صغير يحمل اسم الكنيسة نفسها, ولدخول هذه الكنيسة ينبغي للزائر أن ينزل عدة درجات تحت الأرض وهناك يجد نهاية النفق في أسفل منتصف الحائط الغربي، وقد سدّ ببعض الأحجار خوفاً من دخول أحد إليه, وقيل إن المسيحيين كانوا يستعملون هذا النفق للانتقال بين الكنيستين أو كمعبر هروب خوفاً من الاضطهاد.‏‏
حريق الجامع وقصة العربة‏‏
في السبت 4 ربيع الآخر سنة 1331هـ- 17 تشرين الأول عام 1893م ,تعرض الجامع لحريق كبير،هو آخر حريق حسب المعلومات ، وسببه أن عاملاً كان يقوم بتصليح السقف في الجهة الغربية أحب أن يدخن النرجيلة هناك فأوقد النار في يوم عاصف، فأشعل السقف وامتدت النار بسرعة في كل أرجاء الجامع في الجهة الواقعة فوق باب الزيادة القبلي، فلم تلبث النار أن انتشرت انتشارها في الهشيم وعمت الجامع كله، حيث احترق الحرم كله والرواق الشرقي ومشهد الحسين، وسوق القباقبية والقوافين، كما احترق زقاق الحمراوي المجاور، ولم يبق فيه إلا جدره والجهة الغربية منه .‏‏
ومن الآثار النادرة التي احترقت (مصحف عثمان) الذي غفل الناس عنه لانشغالهم بإطفاء الحريق، وبعد هذا الحادث بقي المسجد أشهراً طويلة من غير ترميم، إلى أن قامت لجنة مختصة من الجامع بترميمه، إلا أن مشكلة نقل العواميد من جبل المزه إلى المسجد وقفت في وجههم لا يجدون حلاً لها, و يقال إن النجار عبد الغني الحموي اقترح على السلطان «عبد الحميد» أن يصنع عربة مستطيلة تجرها الثيران لها ملاقيط تلتقط العمود وتحمله من الجبل, وأقنعهم بالفكرة من خلال قوله إنه رأى مثلها في ايطاليا، وبذلك صنع العربة، وعندما صار له ما طلب وقام بنقل الأعمدة إلى المسجد أخبرهم إنه لم ير مثلها قط , ولم يذهب إلى ايطاليا أبدا .‏‏
عملت تلك العربة في نقل الأعمدة من العام 1896 ولغاية العام 1901م، فاستمر العمل بإعادة بناء الجامع سبع سنوات متواصلة ، واحتفل بافتتاحه من جديد في عام 1902 ميلادي، ولا زال الجامع الأموي بدمشق يحتفظ في الرواق الشمالي منه بهذه العربة وهي كبيرة مستطيلة الشكل وقد صنع لها بيت من الزجاج لحمايتها لتكون شاهداً على عبقرية رجل أمّي قدم فكرة لنقل الأحجار الضخمة