الرئيسية » مشاركات القراء » مالم يكتب ولم يقال عن الرقة السورية
raqqa

مالم يكتب ولم يقال عن الرقة السورية

أبو  ليلى الرقاوي: سوريات

أصبحت الرّقة السوريّة معروفةً عالميًّا بعد أن سيطر تنظيم الدولة الإسلاميّة عليها، واتّخذها عاصمة للخلافة وفق نهج النبوّة، كما أصبحت معروفة محليًّا بعد أن كانت منسيّة ومهمّشة لعقودٍ طويلة تحت تصنيف”محافظة نامية”.

لم يتوقّف تهميش مدينة الرقة السورية عند التمثيل الرسمي فحسب، بل تعدّاه إلى المستوى الشعبي

تهميش واضح من الإعلام وغيابٌ شبه تامٍ لتمثيلها في القيادة ومجلس الشعب والحكومات التي كانت تتعاقب موغلةً في تجاهلها، تهميش لم يتوقّف عند التمثيل الرسمي فحسب، بل تعدّاه إلى المستوى الشعبي، ويكفي أن تسأل أحد “الشوام” عن الرّقة ليختصرها بالبادية وبشكوكه فيما إذا كان أهلها قد استقروا ببيوتٍ إسمنتية أم أنهم يسكنون بيوت الشعر، وكثيرًا ما كنا نتندّر على جهلهم بمدينة تعدّ ثالث أكبر المدن السورية مساحةً، ويخترقها نهر الفرات أكبر مورد للماء والكهرباء، وتمدّ البلاد بجزءٍ عظيم من السلّة الغذائية والنفط، نعلّق بسخريّة مشوبة بمرارة التهميش: “نعم نسكن بخيمة من طابقين، وإذا ما أردنا أن نعود إلى الرّقة فإنّنا ننتظر القوافل القادمة من العراق إلى الشام”.

تهميش لم تنفع معه المحاولات الجادّة لأبناء المحافظة لتقديم مدينتهم بصورةٍ مشرقةٍ عبر ذكر أعلامها ممّن كان لهم دورٌ كبير في الحياة السياسية قبل حكم البعث، والتأكيد على تنوع مشاربها، وتعدد أقنيتها الحضاريّة بحكم موقعها الجغرافي وقربها من العراق وتركيا، هذا الموقع الذي ساهم في تغذيتها حضاريًّا وانعكس في مجالات الحياة العامّة اجتماعيًّا وثقافيًّا بالدرجة الأولى، لكنّه لم يقدر على تغيير تلك النظرة المتعالية والتي يشكّل الجهل سببًا رئيسًا في صياغتها، فظلّ أهل الجزيرة عمومًا “الشوايا” المتخلفين بلهجتهم وعاداتهم وثيابهم، وما يحاك حول حياتنا من تصوّرات ضحلة وسطحيّة، ساهمت في  تنميط تلك التصوّرات؛ لتنتج صورة مشوّهة لاتخلو من الطرافة والغرائبية.

هذا ماعززته سياسة النظام التي لوّنت بظلال قاتمة تلك الصورة، ولاسيّما في فترة الخلاف السياسي في البيت البعثي، إذ أصبحت التهمة الجاهزة لزج الأصوات الحرّة والأكف النظيفة في المعتقلات بتهمة التواطؤ مع نظام صدام واليمين العراقي، وإذكاء روح العصبية القبلية في منطقة الفرات، وتعزيز الخلافات التي كانت تتمّ تحت مراقبة فروع الأمن، وإرضاء شيوخ العشائر ومن والاهم بالقليل مقابل الأموال و”تنك الجبن” التي كانت تطرق أبواب المسؤولين والمتنفذين، ليس في القيادة السياسية فحسب، بل حتى في الأوساط الثقافية، إذ لم يعد يخفى على أحد أنّ المقال في الصحف والملاحق الأدبية ثمنه “تنكة جبن” أو “نصيّة سمن عربي”.

تهميش زاد من إحساس أبناء المحافظة والجزيرة على نحو أشمل بالتجاهل، لتصبح الرّقة محافظة سوريّة “نص كم”، بين انتماء للدولة السورية وغياب للهويّة الوطنيّة الساعية للاندماج والتماهي مع الآخر في “الداخل السوري”، وهذا ” الداخل السوري” مصطلح قديم يميّز بين أبناء الجزيرة وأبناء المحافظات السورية الأخرى، هذا التهميش الذي انتقل من سوء تخطيط الدولة على أفضل تقدير إلى سوء إدارة المعارضة وسلبطة الكتائب المسلّحة.

عندما انطلقت شرارة الثورة كان على الرقاويين أن يثبتوا للداخل السوري قبل الخارج أنّهم يستحقون حياة كريمة، وأنّهم يؤمنون أيضًا بالحريّة التي تتجاوز منطق الكثيرين ممن رأوا في مدن الأطراف وقودًا لثورة تطيح بالنظام، ومن سياسة الإهمال إلى سياسة التخوين التي تجدها أيضًا في خطابات بعض قيادات المعارضة قبل أن تلحقها سياسة التهميش والإهمال السائدة في نظرة النظام للمحافظة، التي استقبلت أكثر من مليون ونصف من النازحين من مختلف المناطق السورية، وقدّمت فوق طاقتها قبل أن تسيطر عليها المعارضة المسلّحة، مع تجاهل وقحٍ من قيادات المعارضة التي لم يكلّف أحد منهم نفسه في زيارتها بعد تلك السيطرة، لتدخل المدينة في دوامة الصراع المسلح بين الكتائب المتناحرة التي أوغلت في الإساءة إلى المحافظة وأهلها، قبل أن يسيطر تنظيم الدولة على المحافظة كاملة في غياب تامٍ للمعارضة وتجاهل للنظام، الذي كان يمطر الناس بالبراميل ويعاقبها بالتضحية بها أمام أعين العالم؛ لتحويل الثورة إلى إرهابٍ يهدد العالم.

النظام يعاقب المدينة، والمعارضة تعاقب المدينة؛ لأن تحريرها جاء أكبر من قدرة قيادات الائتلاف والمجلس قبله على سدّ غياب النظام، هذا التواطؤ المقصود من كلا الطرفين، إذ لا مسوّغ لهذا التجاهل سواه، دفع بشباب الرقة الحرّ الذي ضيّق عليه الخناق لترك المدينة، قبل أن ينزح الكثير من أهلها ويبقى من بقي منهم تحت رحمة السواد الذي فرض نفسه، مستغلًا هذا التجاهل والتواطؤ المعلن والمبطّن.

كلمات لتغطية إعلامية وخطاب رئاسي بوعود لا تغني ولا تسمن ولا تكفي حتى لإعادة الأمل الذي صار نهبًا هو الآخر للسواد المرعب؛ لتترك المحافظة لأكثر من ثلاث سنوات بغيابٍ تام للخدمات، وانقطاع وسائل الاتّصال “شبكات المحمول السورية” مع العالم القريب “سورية الداخل” والبعيد في العالم، ولتصبح فيما بعد بفضل هذا التواطؤ عاصمة لداعش كما يراها القريب والبعيد!

أصبحت الرقة قرين داعش، هذا ماقدمه الإعلام المحلي والدولي الذي التفت أخيرًا إليها بوصفها بؤرة للإرهاب، وفي الوقت الذي يجعلك تبتسم ساخرًا من ذكر اسم الرّقة على ألسنة الملوك والرؤساء الذي يرون فيها خطرًا باقيًا ويتمدد ليهدد عروشهم، ينطقها أوباما بفتح رائها، فيما يصرّ مذيع سوري في قناة معارضة على فضح هذا التجاهل عندما لا يعرف كيف ينطق اسم المحافظة بشكل صحيح فينطقها كاسرًا ظهر رائها، ويرى رجال الدين في ممارسات “داعش” في الرقة انتهاكًا صريحًا لتعاليم الدين، وتتمسك المعارضة بفكرة أنّ داعش صنيعة النظام، ويؤكد النظام على أنّها من مخلفات الفكر الوهابي والسلفي، ويصرّ الإعلام والدراما على تقديمها كقندهار دون تسليط الضوء على الحراك الشعبي في المدينة والوضع الذي كانت عليه قبل سيطرة التنظيم، ودون كلمة حق تجاه بلدي الأمين، حق لايعرف الحق ولايراد به إلا الباطل!

ويصرّ الإعلام والدراما على تقديم الرقة كقندهار، دون ذكر الحراك الشعبي فيها قبل سيطرة داعش عليها

ومن المضحك المبكي أن تسأل أم صديقي بعد أن عرفني إليها وهي تتأمل ذقني وثيابي: “من داعش يعني؟”  قبل أن تناديه إلى مطبخ قهوتها لتسأله عن علاقته بي.

سخرية مريرة تتسلل إلي كل رقاوي حين يقترن اسم محافظته بداعش، الرقة درّة الفرات، والتي رغم تجاهل الداخل والخارج لها كانت تزهو بأهازيجها الفراتية، بسمرة أبنائها التي لوحتها شمس قيظنا، بانفتاح على الآخر، بعاداتٍ تنهل من معطيات الحياة مايجمّلها رغم التهميش وغبارالإهمال والنسيان.

المدينة التي أنتمي إليها هي الرقة التي لم يكلف أحد نفسه السؤال عن حالها قبل الإرهاب، بالقدر الذي تجده شغوفًا بمعرفة سلوك التنظيم، واستجداء الصورة لتقييم الفكرة التي ينطلق منها في حروب صغيرة ونقاشاتٍ حادّة وحرب شعبية تدعو إلى دكّ البيوت على رؤوس داعشيها.

الرقة التي غابت في الماضي بصورتها الأجمل، هاهي تصبح بؤرة للإرهاب، وأهلها البسطاء الطيبيون من الفقراء والمعدمين الذين لا يفقهون مجازات الحرية واستعارات العدالة والكرامة، أعني أولئك الذين لا يملكون ثمن رحلة الموت إلى أوروبا، أو تكلفة المعيشة في تركيا ولبنان ودمشق؛ يرزحون تحت سواد أشد قتامة من عباءة حَبَرٍ ترتديها أمّي، سوادٍ يخلع عفة المدينة المنسية ليعرضها عاريةً أمام أضواء كاميرات العهر العالمي.

– يعني أنت من داعش؟
بضحكة تختصر كل المرارة أصيح بصديقي لتسمع أمّه:
– محسوبك أبو ليلى الرقاوي!

المصدر: الترا صوت