الرئيسية » سوريات » التاريخ السوري » المسجد الأموي بدمشق أيقونة المساجد الشرقية

المسجد الأموي بدمشق أيقونة المساجد الشرقية

المسجد الأموي الطريق إلى الجامع الأموي … طريق تتلاحم فيه خيوط من نور وجمال وارتقاء.

الطريق إلى الجامع الأموي … قصيدة ساحرة على متن أبياتها تتهادى حكايات روحانية دافئة.

تسير عبر إيقاعات وأنغام شجية وشعبية تحت أضواء الشمس البتول، بدفقات من الوله الذي يسمو فوق الحداثة والعصرنة، ويسرح جامحاً إلى قداسات المدائن العريقة غير الخانعة ولا الغائبة.

نسير بهدوء وافتنان على حجارة سوداء، وسط أسواق جمعت كل مظاهر الإلفة والوداعة الممزوجة بأنهار الروائح الزكية، وصوت فيروز يصدح في الأجواء في أغنية مرسلة إلى أمجاد الأمويين من كلمات الشاعر سعيد عقل، (سائليني يا شآم) التي ما إن سمعتها إلا وطاف حولي طيف مروان والوليد وهشام، ولاسيما حين تقول :

أمويون فإن ضقت بهم ألحقوا الدنيا ببستان هشام

ومن حولي الناس يتقاطرون إليه من كل حدب وصوب ليعيشوا مع سحر العراقة والأصالة، والحنين إلى كل ما هو بديع، وتبدأ الحكاية …

مسجد بني أمية 1بدأت حكاية الجامع الأموي منذ مطلع الألف الأول قبل الميلاد، في العهد الآرامي حيث بنى الآراميون معبدهم وعُرف بمعبد الإله (حدد)، وهو إله العاصفة السوري أو إله الصاعقة والبرق، وكان يعبد في دمشق منذ ثلاثة آلاف عام – حسب المصادر – وأثناء استيلاء الرومان على المنطقة أصبح معبداً للإله (جوبيتر الدمشقي)، وتشير نقوش جدرانه إلى التطور الواسع الذي شهده المعبد في عهد السلوقيين والرومان، حتى غدا من أضخم المعابد الرومانية.

مسجد بني أمية 2يبلغ طول سوره الخارجي (380م) وعرضه (300م)، له واجهات فخمة ومداخل عملاقة قامت على أعمدة عالية جداً، ولا تزال آثار بعض المنحوتات على جدرانه قائمة حتى اليوم، ويبدو الشكل الخارجي للمعبد شكل مستطيل، وقد عرف بالمستطيل الإلهي أو المستطيل الذهبي، حيث أُقيم على حافة ربوة، يليه وادي صغير، وفي أسفل هذا الوادي حفر نفق يصل إلى داخل المعبد ينقل من خلاله القرابين.

ويتفق المؤرخون على أن المعبد تحوّل إلى كنيسة في عهد الإمبراطور (تيودوس الأول) مع وجود بعض الشواهد التي تؤكد تحوّله إلى كنيسة أواخر القرن الرابع الميلادي، وكانت تقع إلى الغرب من الصحن وحملت اسم (يوحنا المعمدان) أو النبي يحيى عليه السلام، وذلك في أواخر القرن الرابع الميلادي، وحسب المصادر فإن رأس النبي يحيى مدفون داخل حرم المسجد، فأثناء بناء المسجد عثر العمال على مغارة، وجدوا بداخلها صندوقاً يحوي رأس سليم الجلد والشعر مكتوب عليه رأس النبي يحيى بن زكريا، ويقال بأن الوليد نزل إلى المغارة وأمر بترك الصندوق على وضعه وجعل عموداً قائماً على المغارة كعلامة مميزة ثم وضع فوقه تابوت عليه اسم يحيى عليه السلام.

فتح دمشق
مسجد بني أمية 3فتحت دمشق، فدخلها خالد بن الوليد فاتحاً، وأقام الصلاة في الزاوية الجنوبية الشرقية ليس بعيداً عن الكنيسة، فصلى فيه الصحابة باتجاه القبلة، وكان هذا أول مسجد في الشام، وفيه أقيم أول محراب لا يزال يسمى بمحراب الصحابة، فاستقر فيها المسلمون منذ العام (14هـ)، واقتسموا الحياة مع المسيحيين، وكما اقتسموا الحياة، اقتسموا الكنيسة، فصار الجزء الشرقي من الكنيسة مسجداً، وكان المسلمون والنصارى يدخلون من باب واحد، وهو باب المعبد الأصلي إلى جهة القبلة، فينصرف المسلمون إلى جهة الشرق والنصارى إلى جهة الغرب، وبقي المسلمون والمسيحيون يؤدون فرائض دينهم متجاورين حوالي سبعين عاماً حتى العام (86هـ – 705م).

ومع ازدياد عدد المسلمين، بعد أن غدت دمشق عاصمة الخلافة الإسلامية في العصر الأموي، أصبحت الحاجة ملحة لأن يمتلك المسلمون مسجداً يتسع لكافة المصلين، وبالوقت نفسه يتماشى مع عظمة الدولة والفتوحات الإسلامية، وكان ذلك أيام الخليفة عبد الملك بن مروان الذي بدأت في عهده حركة عمرانية واسعة استهدفت ثلاثة مساجد بشكل رئيسي، هي الجامع الأموي في دمشق، ومسجد قبة الصخرة في القدس، والمسجد النبوي بالمدينة المنورة.

مسجد بني أمية 5لكن الموت عاجله، فكان حظ بناء المسجد في زمن الوليد بن عبد الملك، الذي مثل عصر الفتوحات وعظمة الدولة الأموية واستقرارها، وأول ما قام به الوليد إجراء مفاوضات مع الرعايا المسيحيين كي يتنازلوا بالرضا عن نصف كنيستهم، وتمَّ ذلك مقابل بناء كنائس جديدة في أماكن مختلفة من دمشق.

من الصعب الحديث عن أعمال إنشائية بالنصف الإسلامي من البناء قبل عصر الوليد، باستثناء زمن معاوية بن أبي سفيان الخليفة الأموي الأول الذي بنى داخل الحرم في القسم الإسلامي مقصورة كان يصلي فيها، وصلت بممر خاص كان يوصله إلى قصر الخضراء الذي يقيم فيه ويقع بجوار المسجد.

عصر الوليد بن عبد الملك وبناء المسجد
مسجد بني أمية 6تمَّ تشييد الجامع وفق مخطط جديد مبتكر يتجاوب مع شعائر الدين الإسلامي، فقد أمر بهدم مداخل المعبد ـ وليس الكنيسة- من منشآت رومانية وبيزنطية، وأبقي على الجدران فقط، وأعيد استخدام حجارة المعبد في أجزاء من البناء.

بذل الوليد الكثير من الجهد والمال كي يكون المسجد آية في الإبداع وتحفة من التحف الفنية، فأمضى في بنائه وزخرفته قرابة عشر سنين بدءاً من ذي الحجة عام (86هـ)، وتشير المصادر أنه أنفق على بناء الجامع خراج الشام سنتين، وقيل أنه أخذ ربع أعطيات من أهل دمشق تسع سنين، وكانت في ذلك الوقت حوالي خمسة وأربعين ألفاً يستعين بها على عمارة الجامع.

وفي رواية أخرى أن ما أنفق على الجامع كان أربعمائة صندوق في كل صندوق أربعة عشر ألف دينار أي خمسة ملايين وستمائة ألف دينار ذهبي، ويشير الطبري في تاريخه أن عجائب الدنيا أربع هي : قنطرة سبخة، ومنارة الإسكندرية، وكنيسة الرُها، ومسجد دمشق.

مسجد بني أمية 7وهكذا ظهر جامع دمشق وقتئذ ثورة على البساطة والتقشف وانطلاقة جديدة في مضمار فنون العمارة والزخرفة الإسلامية، ووضعت بإشادته مبادئ هندسة الجوامع الكبرى التي شيدت بعده في العالم الإسلامي، إذ ظل المعماريون عدة قرون يستوحون منه وينسجون على منواله، فاستحق بجدارة تسميته إمام الجوامع وظلَّ قروناً فتنة للناظرين، تبارى الشعراء والكتاب في وصفه، وإبراز محاسنه.

لم يحافظ الجامع على الشكل الذي بني عليه فقد تعرض لكثير من الحرائق والزلازل التي غيّرت معالمه، كما تعرض للإهمال فترات طويلة من الزمن، وأثناء تولي الخليفة عمر بن عبد العزيز الخلافة، فكر في إزالة مظاهر الترف البادية في الجامع، والتي رأى فيها خروجاً عن التعاليم الإسلامية، لكن أهل الشام دافعوا عن مسجدهم وزينته لأنها بُنيت من أموالهم وجهدهم، الأمر الذي جعل الخليفة يعدل عن فكرته.

مسجد بني أمية 10ويقال بأن رجلاً رومياً قدم إلى دمشق وعندما زار الجامع وقع مغشياً عليه من عظمة ما رآه، فلما سئل عن السبب قال : “إننا معشر أهل رومية نتحدث عن أن بقاء العرب قليل، فلما رأيت ما بنوا علمت أن لهم مدة سيبقونها، فلذلك أصابني ما أصابني”، فلما علم الخليفة عمر بالقصة قال : “لا أرى مسجد دمشق إلا غيظاً على الكفار”.

مخطط الجامع
مسجد بني أمية 12يتألف بناء الجامع من مستطيل طوله (156م) وعرضه (97م) يحتل جانبه الشمالي صحن مكشوف تحيط به أروقة مسقوفة، ويحتل قسمه الجنوبي الحرم أو المصلى، وللجامع ثلاثة أبواب رئيسة تفضي إلى الصحن، تصله بجهات المدينة الثلاث الشرقية والغربية والشمالية، وهناك باب رابع في الحرم يقع بالجانب الغربي منه يصله بالجهة الجنوبية من المدينة.

أقسام الجامع وعناصره المعمارية
1- السور والأبواب : سور الجامع مبني بالحجارة الكلسية، مزودة بدعائم جدارية، وهو من العهد الروماني إلا أن أكثر مسجد بني أمية 11أقسامه جددت في العهود العربية، وكان يحتل زوايا السور الأربع أبراج مربعة الشكل استخدمت بعد الفتح منابر للآذان بقي منها إلى اليوم البرجان الجنوبيان وعليهما أقيمت المئذنتان الشرقية والغربية.

الباب الشرقي للجامع محافظ على وضعه الأصيل الأموي، وكان يدعى باب (جيرون) واسمه اليوم باب (النوفرة) ويقع على الحائط الشرقي للجامع مقابل حي النوفرة، يتألف من باب في الوسط ذي قنطرة عالية وبابين صغيرين على جانبيه، ويقابله الباب الغربي ويدعى باب (البريد) وهو مؤلف من ثلاث فتحات، ويقع على الحائط الغربي مقابل ساحة المسكية ويعرف اليوم باسم باب المسكية، ويلي البابين الشرقي والغربي دهليز فخم يتصل بالأروقة المحيطة بالصحن، وبالمشاهد القائمة على جانبيه، أما الباب الشمالي أو باب (الكلاسة) – نسبة إلى حي الكلاسة المقابل له – فمؤلف من فتحة واحدة فقط، وهو مجدد في العهود العربية اللاحقة وكان يدعى باب (الفراديس) ويعرف اليوم بباب (العمارة).

مسجد بني أمية 15أما الباب المفتوح في الحرم (باب الزيادة)، أو الباب الجنوبي يقع في الجهة الغربية من الحائط الجنوبي مقابل سوق الصاغة وهو الباب الوحيد المؤدي مباشرة لحرم المسجد، و أُحِدث في السور عند بناء الجامع، ويتألف من فتحة واحدة واسعة، أما الباب الأساسي الكائن عند منتصف الجدار الجنوبي فقد استخدمت إحدى فتحاته كباب لدخول الخلفاء إلى الجامع، وللدخول منه إلى قصر الخلافة.

2- الصحن والأروقة : الصحن مستطيل، يتخلله مسجد بني أمية 14ثلاث مبان صغيرة، تقع في الجهة الغربية منه قبة الخزنة، أو قبة المال، وقد أنشئت في العهد العباسي، واستعملت بداية كخزنة لأموال الجامع، ومن ثم تحولت إلى مكتبة لكتب ومخطوطات الجامع النفيسة.

وهي بناء مضلع قائم على ثمانية عمد كورانتية الطراز، جميلة التيجان أما في الجهة الشرقية فتوجد قبة أخرى على ثمانية عمد تدعى قبة زين العابدين، أو قبة الساعات، وتعود للعهد الفاطمي، وأخذت تسميتها من جمع أنواع عديدة من الساعات فيها، وفي العهد العثماني أحيطت الأعمدة بجدار، وتحولت إلى غرفة، وهناك قبة البحرة التي يعود إنشاؤها إلى بداية العصر العباسي، وجددت في العهد العثماني (1769م) ، وهي عبارة عن بركة ماء وفوقها قبة تقوم على أقواس وأعمدة تدعى قبة (الشادروان).

وفي وسط الصحن يوجد عمودان من الحجر يحملان رأسين مزخرفين من النحاس، كانا يستعملان للإسراج وإنارة الصحن. ويحيط بالصحن رواق مسقوف محمول على عضائد وأعمدة تتناوب كل عضادة مع عمودين.

3- الحرم : يتألف الحرم وهو الجزء الداخلي من المسجد، من ثلاثة أروقة موازية للقبلة، يمتد بينهما صفان من الأعمدة تحمل قناطر كبيرة يبلغ عددها (24) قنطرة، شكلها نصف دائري فوقها عدد مضاعف من القناطر الصغيرة، كما هو الحال في الأروقة المحيطة بالصحن.

مسجد بني أمية 8وفي الجهة الشرقية من الحرم يقع ضريح النبي يحيى عليه السلام، ويوجد أيضاً، بئر ماء قديم محاط بعمودين نفيسين وهو غير مستعمل الآن، ويقطع الأروقة المحيطة بالصحن من وسطها رواق أوسع وأكثر ارتفاعاً يسمى المجاز القاطع، يتوسطه قبة عالية ترتفع قرابة (36م) محمولة على أربعة عضائد ضخمة فوقها قبة مثمنة، مزودة بالنوافذ، وتعرف بـ (قبة النسر) وأصل التسمية أن الوليد تمثل شكل نسر باسط جناحيه، فالقبة مثلت رأس النسر وطرفي الحرم مثلا الجناحين، وربما يكون هذا التشبيه دليلاً على قوة وعظمة الدولة الأموية فرأس النسر يمثل العاصمة دمشق وجناحيه يمثلان امتداد الدولة من الشرق في الصين إلى الغرب في الأندلس.

كما يوجد داخل الحرم أربعة محاريب للدلالة على المذاهب الإسلامية الأربعة، وكان لكل محراب إمامه ومُدرسيه، وهذه المحاريب هي :

محراب الصحابة : وهو المحراب الأول كما أسلفنا، يقع في الجهة الشرقية من الحرم، وهو الأقدم ويسمى أيضاً، محراب المالكية.

مسجد بني أمية 18أما محراب الخطيب : وهو المحراب الرئيس في المسجد، ويسمى محراب الشافعية، وقد أُنشئ أيام الخليفة الوليد، وعلى جانبه يقع منبر الخطيب.

وهناك محراب الحنفية، ومحراب الحنابلة، تم بناؤهما في العهد المملوكي.

يغطي الحرم سقوف سنامية الشكل (جملونات) صنعت من الخشب وصفحت من الخارج بالرصاص، وهي ثلاثة سقوف ممتدة من الشرق إلى الغرب يقطعها في وسطها سقف المجاز المرتفع، وهذه السقوف مبطنة بسقوف مستوية من الخشب المزخرف.

4ـ نوافذ الحرم : يستمد الحرم نوره من نوافذ مفتوحة في جداريه الكبيرين الشمالي والجنوبي وهي شبيهة بالقناطر العليا مسجد بني أمية 17الموجودة في سائر الأروقة من حيث الشكل والمقياس، ففي الجدار الشمالي أربع وأربعون نافذة، ومثلها في الجدار الجنوبي. هذه النوافذ مزودة بشمسيات من الجص المعشق بالزجاج الملون، مزخرفة بأشكال نباتية وهندسية مخرمة.

وهناك نوع آخر من النوافذ لا تزال ست منها باقية في المشهد الشمالي الغربي (قاعة الاستقبال حالياً)، وتعتبر من النموذج الأموي كسائر نوافذ الجامع، تتألف من شبك من الرخام الأبيض منقوش بزخارف ورسوم هندسية تتنوع في كل نافذة فهي من أكثر عناصر الجامع أصالة وروعة من الناحية الفنية.

5- المآذن : لم يبق من المعبد القديم سوى البرجين الجنوبيين وحين تمَّ تشييد الجامع تحولا إلى مئذنتين، ثم شيدت مئذنة ثالثة إلى جانب الباب الشمالي على هيئة برج مربع وهي التي عرفت فيما بعد بمئذنة (العروس)، قاعدتها أموية أصلية، وكانت تتلألأ بالأنوار والفوانيس مسجد بني أمية 13في المناسبات فتظهر وكأنها عروس، ولذلك غلبت على تسميتها مئذنة العروس، ويوجد في أعلاها كرة معدنية حمراء اللون عاكسة للضوء ترفع للأعلى عند دخول وقت الآذان ليتم رؤيتها من مسافات بعيدة، التي لا يصل إليها الآذان، وقد استعيض عنها اليوم بإشعال مصابيح الإنارة على المآذن كافة، عند بداية الآذان، وإطفائها عند نهايته.

وشيدت المئذنة الشرقية التي تسمى مئذنة (عيسى) فوق البرج القديم وتشير المصادر التاريخية في أكثر من مكان، بأنه يوم البعث سوف ينزل عليها النبي عيسى عليه السلام. أما المئذنة الغربية فقد شيدت فوق البرج القديم المربع، وتدل الكتابات المنقوشة عليها بأنها جددت في عهد السلطان المملوكي (قايتباي)،ومن هنا جاءت تسميتها بمئذنة قايتباي.

6- المشاهد : هناك أربعة قاعات كبيرة مستطيلة شبه متساوية الأبعاد موزعة على جانبي البابين الشرقي والغربي، مسجد بني أمية 16أطلق عليها قديماً اسم المشاهد، ونسب كل منها إلى واحد من الخلفاء الراشدين، المشهد الجنوبي الشرقي يدعى مشهد أبي بكر، وهو اليوم متحف الجامع، والمشهد الجنوبي الغربي يسمى بمشهد عمر، ويستعمل اليوم كمقر لإدارة المسجد، والمشهد الشمالي الغربي مشهد عثمان وهو قاعة شرف لاستقبال الضيوف، وأخيراً مشهد علي الذي دُعي فيما بعد بمشهد الحسين، وفيه مزار ومقام رأس الإمام الحسين بن علي رضي الله عنهما. وخلال العهود التاريخية تغيرت أسماء هذه المشاهد واستخدمت في أغراض متعددة كالتدريس، والصلاة، والاجتماعات، وخزائن الكتب والمستودعات.

7- الزخارف والنقوش : الزخارف الأموية التي تزين الجامع تتألف من عنصرين رئيسين هما الفسيفساء والرخام، فضلاً عن الكتابة المذهبة، ويشير ياقوت الحموي في معجم البلدان إلى قول موسى بن حماد البربري : “رأيت في مسجد دمشق كتابة بالذهب في الزجاج محفوراً سورة ألهاكم التكاثر، ورأيت جوهرة حمراء ملصقة في القاف في قوله تعالى : “حتى زرتم المقابر”، فسألت عن ذلك: فقيل لي إنه كانت للوليد بنت وكانت هذه الجوهرة لها فماتت، فأمرت أمها أن تدفن هذه الجوهرة معها في قبرها، فأمر الوليد بها فصيرت في قاف المقابر من “ألهاكم التكاثر، حتى زرتم المقابر”، ثم حلف لأمها أنه قد أودعها المقابر فسكتت”.

أما الفسيفساء فكانت تغطي الأقسام العليا من الجدران، في الداخل والخارج، في الحرم والأروقة، وكذلك القناطر وباطن العقود. ويمتاز الفسيفساء في الجامع الأموي عن جميع الأعمال التصويرية الجدارية الأخرى بموضوعاته وأسلوبه الفني، فهي قصور ومنشآت وجسور وأبراج وأروقة محاطة بالأشجار ويقع الغالب منها على حواف الأنهار، ولا يوجد بين هذه المواضيع محل لأشخاص أو حيوان.

وقد اختلف في تفسير هذه المواضيع، فمنهم من يعتقد أن هذه الصور تمثل دمشق ونهر بردى، بينما يرى المؤرخ الجغرافي المقدسي بأنها صورة العالم : “ومن العسير أن تكون هناك شجرة أو مدينة لم تصور على تلك الجدران”.

في حين يرى ايتنهاوزن في كتابه (في التصوير عند العرب)، أنها تعبير عن قوة الإسلام وشموله أكبر رقعة في العالم، وأن تعاليم الإسلام أدت إلى ظهور العصر الذهبي والفردوس على الأرض.

ويشير غرابار في كتابه (تكوين الفن الإسلامي) أن هذه الصور تعبير عن الجنة التي وعد الله بها المؤمنين الأتقياء، والتي تهفو لها قلوب العرب الظامئة إلى فردوس الحياة، كما وصفها ابن عساكر في تاريخ دمشق بأنها على شكل كرمة ذهبية.

أما الرخام فهو من النوع المجزع أي يشبه الخطوط الموجودة في جذوع الشجر ويحتفظ دهليز باب جيرون بنموذج للرخام المجزع الأصيل، وهذا الرخام مماثل لرخام جامع قبة الصخرة في القدس، ومسجد أيا صوفيا في تركيا، وكانت الأروقة وعضاداتها وقناطرها مكسوة كلها بالفسيفساء الزجاجي الملون، ومازالت أقسام كثيرة باقية في واجهة الحرم، وفي الأروقة، وقد أعيد بعض ما سقط منها، خاصة، قبة الخزنة.

الآذان وخصوصيته الدمشقية
يتميز أذان الجامع الأموي عن غيره من المساجد بالأداء الجماعي، وهو تاريخياً يتعلق بالمساحة الكبيرة التي يمتد عليها المسجد من جهة، وهذا ما يؤكده تعدد مآذنه، ومن جهة أخرى، هو المسجد الرئيس في المدينة، وهناك ميزة أخرى للأذان تتعلق باللحن، واللحن المستخدم اليوم في الأذان هو من وضع العلامة الشيخ عبد الغني النابلسي، ولكل يوم من أيام الأسبوع نغمة خاصة به، ففي يوم السبت يؤدى الآذان بنغمة (الصبا)، ويوم الأحد نغمة (البيات)، والاثنين (النوى)، والثلاثاء (السيكاه)، والأربعاء (العراق)، والخميس (الحجاز)، والجمعة (الرصد، أو الرست).

الأصالة والخصائص الفنية
ينتسب الجامع الأموي إلى الفنون المعمارية الشامية التي ازدهرت على يد الأمويين الذين تمَّ في عهدهم إنشاء العديد من الأعمال العمرانية من مدن ومساجد وقصور، وضمَّ الجامع الكثير من النفائس منها مصحف عثمان الذي كان له خزانة خاصة به إلى جانب المحراب، وظلّ حتى الحريق الأخير.

كما زود الجامع في كل العهود بساعات اختلفت ألوانها وأشكالها وفنونها باختلاف العصر، و تمَّ العثور على الساعة الفلكية المعقدة التي تسمى (البسيط) تحت بلاط الصحن، وكان قد صنعها العالم الفلكي ابن الشاطر الدمشقي في القرن الثامن الهجري.

وللجامع أوقاف تجمعت خلال العصور جعلته من أغنى مساجد العالم، وكانت مواردها تصرف في سُبلٍ شتى، منها رواتب العلماء والمدرسين والمؤذنين والخدم وطلاب العلم، ومنها ما يصرف للفقراء.

لم تكن وظيفة الجامع في العهود الماضية تقتصر على شؤون العبادة فقد حفل بالنشاطات السياسية والاجتماعية، فكان مركزاً للحكم واتخاذ القرارات من قبل خلفاء بني أمية، كما كان مركزاً للإشعاع الثقافي والعلمي، فقد أنشئت حوله عشرات المدارس والمكتبات، وكانت المدارس منفصلة عنه بأوقافها وأهم هذه المدارس، دار الحديث التقوية، ودار الحديث الحمصية، ودار الحديث العروبة، والزاوية المالكية التي تقع في الجانب الغربي منه حيث كان يجتمع فيها طلبة المغاربة، والمدرسة الرواحية، والمدرسة الغزالية نسبة إلى الإمام الغزالي الذي اعتكف فيها، وكتب بعض كتبه وقام بالتدريس فيها، والمدرسة التاجية، والمدرسة السيفية، والمدرسة العزية.

وعقدت فيه دروس ومجالس فتوى وحلقات لكافة مجالات العلوم الدينية والدنيوية للمذاهب الأربعة، ويشير إلى ذلك ابن جبير في رحلته : “وفي هذا الجامع المبارك مجتمع عظيم، كل يوم إثر صلاة الصبح لقراءة سبع من القرآن دائماً، ومثله إثر صلاة العصر لقراءة تسمى الكوثرية، يقرؤون فيها سورة الكوثر إلى الخاتمة”.

وتحت قبة النسر درس جملة من علماء دمشق وهي حسب المصادر كانت موقوفة لهم، وأهم مدرسي قبة النسر الشيخ أحمد المنيني، ثم استلم التدريس تحتها من بعده علي أفندي الداغستاني إلى أن أصيب بالفالج عام 1196هـ – 1782 م، فأناب عنه الشمس محمد الكزبري.

وبعد وفاة الداغستاني عام 1199هـ – 1785م. وجه تدريسها لمحمد العطار الذي أناب عنه الشمس محمد الكزبري أيضا، إلى أن توفي العطار عام 1209هـ – 1795م، فوجهت أخيرا للشمس محمد الكزبري إلى وفاته عام 1222هـ – 1807م، ثم توجهت إلى الشيخ عبد الرحمن الكزبري إلى وفاته عام 1262هـ – 1846م، وكذلك المحدث الشيخ سليم الكزبري (1331هـ) ثم ولده محمد علي الكزبري (1333هـ) ثم المحدث الأكبر الشيخ بدر الدين الحسني (1354هـ).

كما كان للجامع دور في تداول أحوال المسلمين الاجتماعية والسياسية لفترات زمنية متباعدة حيث كان يلتقي الخليفة بالشعب، وكذلك الخلفاء الذين تعاقبوا على الحكم. ويلحق بالجامع العديد من الأضرحة والمقامات لرجال دين وقادة كان لهم أثر كبير في الحياة السياسية والدينية خلال العصور التاريخية المختلفة، ولعل أبرزهم ضريح القائد صلاح الدين الأيوبي، الذي يقع في المدرسة العزية الملحقة بالجامع، وكان غليوم الثاني إمبراطور ألمانيا قد زار دمشق، وتوجه إلى قبر صلاح الدين ووضع عليه باقة زهور جنائزية، كما أهدى نعشاً رخامياً من المرمر الأبيض.

أما موقف الجنرال الفرنسي غورو فهو يختلف تماماً عن موقف الإمبراطور الألماني، فهو عندما دخل دمشق زار قبر صلاح الدين وقال مقولته المشهورة : “ها قد عدنا يا صلاح الدين”.

الأموي عبر التاريخ
ذكر ابن عساكر مؤرخ مدينة دمشق أن الوليد بعد الانتهاء من بناء الجامع، وكان على المنبر يخطب بالمسلمين فتوجه بكلامه إلى أهل الشام قائلاً : “يا أهل دمشق، إني رأيتكم تفخرون على الدنيا بأربع : هوائكم، ومائكم، وفاكهتكم، وحماماتكم، فأحببت أن أزيدكم خامسة وهي هذا الجامع”.

حينها دخل عليه موسى بن نصير وبرفقته موكب كبير جداً يتألف من ثلاثين أميراً من أمراء الأندلس والشمال الإفريقي حيث زُفَّ إليه خبر فتح الأندلس فاحتفل بالقائد المظفر موسى وافتتاح المسجد.

ظلَّ المسجد مركزاً للحياة السياسية والثقافية والدينية لأبناء مدينة دمشق لفترات زمنية طويلة، فلم يكن مجرد مكان ديني للعبادة، بل كان له صفة سياسية وتعليمية واجتماعية.

تعرض المسجد خلال تاريخه الطويل إلى كوارث الطبيعة كالزلازل من جهة، وأخطرها ما حدث في الأعوام (552هـ – 1157م – 597هـ – 1200م)، والحرائق المتكررة التي لحقت به من جهة أخرى، جراء الغزوات المتتابعة على مدينة دمشق، فكان الحريق الأول أيام الفاطميين سنة461هـ -1068م، حيث رميت المدينة بالنيران فاحترقت أجزاء منها، و لحق بالمسجد الكثير من الأضرار حيث دمرت الزخارف وبعض لوحاته الفسيفسائية، وبعد هذا الحادث جرت محاولات كثيرة لإعادة ترميمه ولكنها لم تكن تأخذ الطابع العلمي لذلك باءت جميعها بالفشل.

أما الحريق الثاني الذي تعرض له فكان أثناء ولاية تكنز على دمشق740هـ – 1339م، و تعرضت المئذنة الشرقية لحريق عام 794هـ.

وعندما هاجم تيمورلنك قلعة دمشق عام 804هـ – 1401م، نُصبت الآلات الحربية في صحن الجامع لمهاجمة القلعة فلحق به حريق وتخريب كبيرين.

وفي العام 884هـ – 1479م احترق المسجد، ويقال بأن سبب الحريق قد أتى من الأسواق المحيطة بالجامع، أما الحريق الأخير الذي تعرض له فكان في العصر العثماني 1311هـ – 1893م، وبهذا الحريق يعتقد المؤرخون أنه قد احترق مصحف عثمان.

مسجد بني أميةجرت بعد هذا الحريق عملية ترميم لم تمس أصالة الجامع، ولم تغير تخطيطه العام، أما العناصر الزخرفية فقد طرأ عليها تعديل طفيف، ولكنها بقيت ضمن الخط الهندسي الأساسي، و هبَّ أهل دمشق لإنقاذه، فجمعوا التبرعات، وتطوع العمال وأهل المهن للمشاركة في إعادة بناء الجامع، واستغرقت عملية الترميم تسع سنين، وفي سنة 1991م تم تشكيل لجنة من كبار المؤرخين والآثاريين والمهندسين أنيطت بها مهمة إصلاح وتطوير هذا الصرح الحضاري والديني الهام، وشكلّت مجموعات عمل فنية متخصصة وخبيرة من كل الاختصاصات وكوادر فنية عالية المستوى، منها مجموعة التوثيق لمرحلة ما قبل الترميم وأثناءه، وبعده، حتى التدشين، وتتألف هذه المجموعات من : مجموعة الدراسات المعمارية والعمرانية، مجموعة الدراسات الإنشائية، مجموعة الدراسات الطبوغرافية، مجموعة الدراسات الكهربائية والميكانيكية، مجموعة الإشراف والتنفيذ، مجموعة التوثيق المعمارية والآثارية، وقد شملت أعمال الترميم حوالي (94) موقعاً منها :

ترميم الصنوبرة بمئذنة قاتباي، تدعيم أساسات البرج الجنوبي الغربي، ترميم الواجهة الغربية (فك وإعادة تركيب)، ترميم وإعادة المظلة على المدخل الغربي، تدعيم أساسات الجدار الشمالي (فك وإعادة تركيب)، تبديل القواعد الحجرية لأعمدة المدخل الغربي والأروقة، إعادة بناء البحرة العثمانية (الفوارة)، أعمال ترميم المئذنة الشرقية (مئذنة عيسى)، أعمال ترميم البرج الجنوبي الشرقي (فك وإعادة التغطية الرصاصية للأسقف، ومعالجة الأسقف بالمبيدات الحشرية منعاً للتسوس)، أعمال ترميم مئذنة العروس، تدعيم الجدار الجنوبي (بدعامات بأسلوب الملك تنكز)، ترميم قبة النسر وتذهيبها مع تجديد الرصاص، ترميم البرج الجنوبي الغربي (فك وتركيب)، تدفئة أرضية مشهد عثمان (صالة الشرف)، ترميم البرج الشمالي الشرقي (الزاوية الحلبية)، بالإضافة إلى أعمال الكهرباء والإنارة التزيينية والتخديمية، وإعادة تأهيل الشبكة الصوتية وتدعيمها بأحدث الأجهزة، وتدعيم أسقف الحرم بالشدادات مع قبة النسر، وأعمال السقف العجمي بمشهد عثمان، وتركيب مانعات صواعق للمآذن وقبة النسر، وترخيم جدران مشهد أبو بكر، وإعادة دهان كافة أرجاء المسجد، وترميم وإصلاح ضريح صلاح الدين الأيوبي، وتدفئة السدة الرئيسة وأمامها، وترميم مشهد أبو بكر والحسين، كما تمَّ إحداث سقفين إضافيين في البرج الجنوبي الغربي والبرج الجنوبي الشرقي، وإعادة الكتابات القرآنية الحجرية بالرواق الشمالي للصحن، وأخيراً، تجديد الأبواب وترميم المكتبة وإعادة سقفها.

وانتهت عمليات الترميم في العام 1994م- 1414هـ. كما تمَّ في الجهة الغربية من الجامع ترميم وتجميل ساحة المسكية الملاصقة لمدخل الجامع من جهة الغرب، وكان تدشينها في العام 2004م.

متحف الجامع الأموي
مسجد بني أمية 9في ركن الزاوية الشمالية القريبة من الجامع أقيم متحف الجامع الأموي في العام 1989م، ويضم نفائس الجامع القديمة، وبعض الأحجار والسجاد، واللوحات الخطية، مع مصابيح إنارة وقطع فسيفسائية وخزفية وزجاجية ونقود إسلامية وساعات وصفحات من المصاحف المخطوطة، بالإضافة إلى مخطط مجسم للجامع وما يحيط به من أسواق وأحياء.

خرجنا من المسجد الجامع، مودعين يوماً من روزنامة العمر، بعد ساعات قضيناها هاربين من كفي الزمان، استيقظنا على صوت الله أكبر يصدح في الأجواء داعياً الناس لأداء صلاة العصر.

المصدر: أندلسيات.