الرئيسية » مشاركات القراء » ديمة ونوس: “سأقطع رجليك ان عدت”
dima

ديمة ونوس: “سأقطع رجليك ان عدت”

ديمة ونوس:

“سأقطع أرجل السوريين الذين خرجوا من البلد إن عادوا”! جملة قالها صحافي سوري يعيش في الداخل إلى صديق معارض يعيش في الخارج. المسألة باتت تتجاوز عنف الخطاب. ليست المسألة في مصطلح “قطع الأرجل” الذي يذكّر بشكل أو بآخر بـ “داعش”. المسألة الأساسية تكمن في فعل الخروج الذي يستخدمه كثيرون لم يكن الشاعر أدونيس أوّلهم عندما قال إن “ثلث الشعب السوري هجر (ترك) البلد”، وليس هجّر من البلد، وليس الصحافي السوري الذي يريد قطع أرجل من خرجوا، آخرهم.

شريحة كبيرة من السوريين، أتيح لها الخروج ولم تخرج على رغم معارضتها للنظام. إلا أن شريحة أخرى أتيح لها الخروج وأتيح لها البقاء أيضاً. وهذا ليس أمراً بديهياً. نعرف من أصدقائنا من بقي لأنه متمسك بآخر نقطة ذاكرة، إلا أنه يقاوم محاولاتهم اليومية لطرده من بلده! أصدقاء كثر يعيشون في الداخل، باتت الفروع الأمنية أكثر ألفة من بيوتهم، يمضون فيها ساعات كثيرة لإخلاء سبيلهم والسماح لهم بمغادرة الحدود لأيام!

إلا أن شريحة أخرى، تعيش في الداخل لأن أحداً لم يحاول دفعها للخروج. بالعكس، يحاول النظام استبقاءها قدر الإمكان ليصنع له شعباً بديلاً عن ذلك الشعب الذي “هجر” البلد على حدّ تعبير أدونيس.

هذا الإنكار المخيف ليس مجرد صدفة. وإن كان فيه جانب إيجابي، فهو نفي نظرية النظام التي يروّج لها منذ ما يقارب الخمس سنوات، من أن “عصابات إرهابية” غزت البلد وهجّرت أهلها! حتى موالو النظام وشبّيحته من كل الشرائح والطوائف غير قادرة على تصديق تلك النظرية. فلو أن بعضهم يصدّقها لما خوّن من خرج من البلد كونه خرج هارباً من تلك “المؤامرة الكونية”.

وأيضاً، ثمة الإحساس بالملكية. هم يملكون الوطن ومن خرج لم يعد يملك شيئاً فيه، حتى بيته إن لم يدمّر تحت قصف النظام، فهو حتماً مشاع للسرقة والنهب والاحتلال من “حماة الديار” لأنه بيت خائن وعميل وهارب.

وأذكر هنا قصة رواها لي أحد الأصدقاء. ابنته تعمل مع اللاجئين السوريين في مخيم “الزعتري” في عمّان. تعمل في الإغاثة وتأمين احتياجات كثيرين منهم وفي تعليم الأطفال الذين لم يعرفوا طعم المدرسة بعد. التقى الصديق المقيم في بيروت بزوجة صديق له مقيم في دمشق. التقاها صدفة في إحدى المقاهي. المرأة الستينية تنتمي إلى الطائفة العلوية. قالت له إنها سمعت بالصدفة عن عمل ابنته مع اللاجئين في عمّان. وقالت إنها لن تسمح لابنته بعد الآن بالعودة إلى سورية. وإن ابنته خائنة لأنها تعيل “أهل السنّة الخونة والعملاء”! وكم يشبه كلامها ذاك، كلام الصحافي “قاطع الأرجل”. هي تشعر أن البلد بلدها وحدها، بيتها، مزرعتها، يحق لها استقبال من تشاء استقباله وطرد من تريد طرده بلا أي رادع أخلاقي أو قانوني. حسب مزاجها هي. ومن جهة أخرى، هي تنفي أن “أهل السنّة الخونة والعملاء”، لم يخرجوا لأنهم معارضون فقط، بل لأن مناطقهم قصفت، وأبناؤهم قتلوا وعذّبوا واختطفوا وأبيدوا بكل أنواع الأسلحة المتاحة والمخترعة وحديثة الابتكار! وإن كانت نظرية النظام الذي تقدّس له حول “العصابات الإرهابية” صحيحة، لما كان “أهل السنّة”، عملاء وخونة. لو كانت مؤمنة بما يروّج له نظامها كل لحظة، لكان من خرج من السوريين، ضحيّة، على اختلاف طوائفه ومذاهبه ومواقفه.

ذلك الإحساس المفرط بالتملّك وبالاستئثار بـ”وطن” يضعنا أمام احتمالات ضيّقة من إمكانية العيش المشترك في سورية واحدة. ومهما قالوا من أن الوطن لمن قاتل أعداءه، ولمن وقف إلى جانب النظام في حربه على “الإرهاب”، لن تكون سورية إلا لمن هجّر منها قسراً، ولمن بقي فيها قسراً. ذلك القسر، هو ما يميّز السوريين بعضهم عن بعض اليوم. ولا شيء آخر يجمعنا إلا إحساسنا بأن “الوطن” لمن شعر بالانتماء إليه بمعزل عن عائلة تحكمه أو طائفة تستأثر به أو شريحة تنهبه.