الرئيسية » مشاركات القراء » بقلم مجد مبيض: ذكرياتي التي أفسدها “ابن المسؤول”

بقلم مجد مبيض: ذكرياتي التي أفسدها “ابن المسؤول”

مجد مبيض : اللعب مع الذاكرة من الألعاب الخطيرة، ولكن بيقى خطر النسيان أكبر.

منذ فترة لعبتُ مع ذاكرتي فبدأتُ بتخيل الطريق من بيتي في دمشق إلى مدرستي الإبتدائية، لا يفصلني عن المدرسة سوى شارع صغير وحارة بسيطة في مدخلها يوجد مخبر طبي وفي نهايتها مدخل لميتم الكنيسة، في طريقي إلى المدرسة كلَّ صباح كنت ُ انظر من بين قضبان البوابة الضخمة لعلني ألمح أحد هؤلاء الأطفال، لا أذكرُ من الذي أخبرني بأن خلف هذه البوابة وفي تلك الأبنية الصغيرة يسكن أيتام قد فقدوا أهلهم، كنت أشعر بالخوف والحزن كلما مررتُ من هناك، فاسرعُ لتجاوز المكان راكضة نحو اليمين بإتجاه مدرستي، لأجد ضحكة البواب “أبو موسى” بإستقبالنا، كان رجلاً طيباً بسيطاً، احزنني خبر وفاته منذ عدة سنين.

ادخلُ إلى المدرسة، اتذكر تفاصيلها، صفوفها، الشجرة الكبيرة في باحتها، وجوه معلماتي، أسماء أصدقائي، تلك الغرفة الصغيرة التي كنا ننزل إليها بدرج طويل لنشاهد فيلم عن القديسة “كاترين لابوريه” في تشرين الثاني من كل عام، لا أذكر اليوم بالضبط وربما ليس بالشهر الصحيح، الذاكرة تخدعنا أحياناً بالتفاصيل، بعد مشاهدة الفيلم كانتْ الراهبة توزع علينا “الأيقونة العجائبية” لنعلقها على صدورنا، وينطلق خيالي الطفولي وراء العجائب والمعجزات التي ارغبُ بتحقيقها.

ها أنا أخرج من ذاكرة مدرستي الإبتدائية لأذهب بإتجاه مدرستي الإعدادية، الطريق أصبح أطول وممتع أكثر، لن أضجركم معي بتفاصيل هذا الشارع الطويل بين القصاع وساحة باب توما، ليس هذا هو المهم في هذه المرحلة، المهم هو أن المرحلة الإبتدائية ببرائتها قد انتهت، لقد دخلنا في عالم يوجد فيه ما يسمى “ابن المسؤول” الذي يدرس معنا في صف واحد، “ابن المسؤول” كل الأساتذة والمعلمات يهابونه، “ابن المسؤول” يتصرف على هواه، له (الحرية) في الدخول والخروج من الصف، (الحرية) بعدم الإلتزام بلباس الفتوة الكئيب، (الحرية) بكتابة أو عدم كتابة وظائفه،فهو “ابن المسؤول”، كانتْ مشاعري عدائية تجاهه، رغبتي بتحقيق العدالة ورفض الظلم كانتْ قد بدأتْ بالتبلور، تمكنتُ يوماً من إظهار عدائيتي صائحة بوجهه دون أي سبب “شو مفكر حالك؟ وإذا ابن مسؤول؟” نظر إلي بإستغراب وسخرية وتابع طريقه، كان الخوف يملأ وجه صديقتي بجانبي والكلمات تخرج من فمها بحنق “شو بدك فيه إذا ما عم يزعجك!” هل كانتْ ستفهمني لو قلتُ لها بأن غياب العدل هو ما يزعجني؟ لم أواجهه بعدها، بدأتْ بذور الخوف تكبر بداخلي، واكتفيتُ بتوجيه نظرات كره وإحتقار إليه كلما رأيته، إنتصار بسيط.

أصبحنا الآن في الصف العاشر، المدرسة نفسها، زملاء الصف لم يتغيروا و”ابن المسؤول” لا يزال هنا، في تلك السنة حدث مشهد انحفر بعمق روحي وذاكرتي، لا اذكر بالضبط ما المشاغبة التى حصلتْ في الصف، ولكنني اذكر موجه المدرسة يُخرج شباب الصف ويعاقبهم بالركوع في الباحة، بإستثناء “ابن المسؤول” الذي أصبح في هذه السنة “ابن مديرة المدرسة” أيضاً، كان الموجه يحمل عصا بيده ولكنه لا يستعملها، انتزعها “ابن المسؤول” من يده وبدأ بضرب زملائه في الصف وهو يضحك، والموجه يحاول بكل تذلل استرجاع عصاه، لم ولن أنسى الغضب الذي أحسستُ به يومها ولكنني كنتُ أجبن من أن افعل أي شيء لإيقاف هذا الظلم، كم كرهت ضعفي وعجزي في وقتها، وكانتْ تلك سنتي الأخيرة في هذه المدرسة، لم احتملْ البقاء فيها لسنتين إضافيتين بعد هذا المشهد الذي اشعر بالإختناق كلما تذكرته، كلما تذكرتُ ضعفي وضعف الموجه وضعف كل الطلاب والأساتذة الذين شاهدوا بصمت.

لا ذكريات جميلة لي في تلك المدرسة، لقد افسدها “ابن المسؤول” افسدها العجز والغضب.

قلتُ في البداية انني لعبتُ مع الذاكرة، في الحقيقة حينها استطعت السيطرة عليها، تذكرتُ كلما هو جميل، لم أفكر أبداً ب “ابن المسؤول”، كنتُ ارغب بأن اصف لكم في هذه السطور ما تذكرته حقاً من شوارع المدينة، من بيوت أصدقائي ووجوههم، ولكن على ما يبدو أننا لا نستطيع السيطرة على الذاكرة عندما تبدأ في تفريغ نفسها على الورق، نفقد السيطرة عليها لتنطلق بالتعبير بكل حرية عن الذكريات التي نرغب بنسيانها حقاً، لقد افسد “ابن المسؤول” ذكرياتي.