أخر مانشر
الرئيسية » مشاركات القراء » لوزان: الاتجاهات والمفارقات..

لوزان: الاتجاهات والمفارقات..

جمال الشوفي: خاص سوريات

دشنت مدينة لوزان السويسرية العديد من الاتفاقات الدولية المهمة بين أطراف النزاع العالمي، أكثرها شهرة لنا اتفاقية لوزان الثانية في 24/7/1923 والتي على أثرها وقعت الإمبراطورية العثمانية الخاسرة في الحرب العالمية الأولى صكوك تخليها عن المطالبة بعدد من دول المنطقة كمصر وليبيا وغيرها، وأهم ما فيها ترسيم حدود الدولة السورية الحديثة بعد اقتطاع مساحات واسعة منها في الشمال السوري عند ديار بكر وأضنه وكلس وبمحاذاة جبال طوروس، على أن تتولى تركيا (مصطفى أتاتورك) وقتها وراثة تركة الدولة العثمانية بما يسمى تركيا اليوم.

لوزان اليوم أيضا مرشحة بقوة لتكون محطة مهمة لاتفاق عالمي قد يفضي إما إلى: – قرع طبول حرب عالمية كبرى ثالثة، أو – لاتفاق دولي كبير ثالث حول النزاع على سوريا. ولقاء لوزان اليوم يأتي بعد فشل متكرر للمساعي الحثيثة الدولية لإيجاد حل سياسي للمسألة السورية بمرجعية قرارات جنيف ومجلس الأمن تؤدي إلى مرحلة انتقالية وهيئة حكم انتقالي تؤسس لمرحلة جديدة في تاريخ سوريا، تنهي على أثره حكم الاستبداد القهري لعقود فيها و حمام الدم السوري المستمر منذ ما يفوق الخمس سنوات ونصف على عمر ثورته اليتيمة لليوم.

مع أن لوزان ذات المدينة في الجنوب السويسري، لكنها بخلاف المجتمعين وحيثياتهم، ليست بين دول منتصرة ودولة خاسرة، والأهم من ذلك بوتين-روسيا ليس أتاتورك-تركيا، فمصطفى أتاتورك مؤسس الجمهورية التركية الحديثة ولعلمانيتها أراد قبولها على خارطة العالم لا كإمبراطورية كبرى منهزمة في حرب عالمية، بل كدولة ضمن حدودها السياسية والسيادية، بينما الروسبوتينية (روسيا- بوتين) لم ترضى لليوم بوجودها كدولة ضمن المنظومة العالمية بل تحاول استعادة أمجادها الكبرى كقطب ثانٍ عالمي أيام الاتحاد السوفيتي، وليس فقط بل كل نوازع بوتين الشخصية مسخرة لمجده الشخصي ضارباً بعرض الحائط كل الأعراف الدولية وخطوطها الحمر مستسهلاً الدم السوري ومسترخصه لدرجة الإبادات الجماعية.

الروسبوتينية تعتقد جازمة أن بدخولهم العسكري في سوريا وتصعيد عنفه الدائم، مستفيدين من الفراغ الذي خلفته السياسة الأمريكية المواربة تجاه الربيع العربي عامة والثورة السورية خاصة، أنهم سيستعيدون مكانتهم على خارطة العالم الدولية وكأنهم متيقنين من عدم إمكانية حدوث مواجهة مباشرة بينهم وبين الأمريكان. وأيضاً، يبتزون الاستقرار العالمي عبر الإعلام الروسي بقرع طبول الحرب وبث مقاطع عن طرق التقنين والدفاع المدني وكيفية تجنب ضربات نووية، وتهدد بأن دفاعاتها الجوية لن تميز طائرة أمريكية من غيرها، في إشارة منها لتطورها التقني وامتلاكها خطوط الدفاع ذاتية العمل. بينما الأوربيون والأمريكان يدفعون بمبادرة تلو الأخرى لتجنب هكذا صدام، فمع تيقنهم بتفوقهم التقني والعسكري على الروس إلا أنهم يدركون عواقبه الوخيمة على العالم أجمع، من هنا كانت اتفاق كيري لافروف، ومن هنا كان مشروع القرار الفرنسي في الأمس، ومن بعده مشروع القرار النيوزلندي، ومحاولة السعودية جمع توقيع أكثر من 62 دولة وتقديمه للأمم المتحدة لوقف المجزرة الروسية في حلب، واليوم لقاء مرتقب في لوزان السويسرية.

منذ حرب البلقان عام 1989 للعراق لليبيا للأمس القريب وروسيا تسعى لفك عزلتها الدولية وأخذ مكانتها على خارطة العالم الجديد، ولم تجد أمامها سوى الثورة السورية لتعود من خلالها لفرض وجودها الدولي مرة أخرى، لا عن طريق نمو اقتصادي منافس ولا من خلال برهنة على دعمها لحقوق الإنسان وحق تقرير مصير الشعوب، بل عبر إرادة الكراهية و سيناريو المدن المدمرة وسياسة البلطجة والقوة المفرطة لتفرض إرادتها على دول العالم بالقوة. فلم تكتفي بأربعة حقوق نقض متتالية خلال الفترة السابقة مناصرة للنظام السوري، بل دخلت منذ ما يزيد عن عام على خط العمليات العسكرية الجوية تقصف المدن السورية المدينة تلو الأخرى وتحارب ثورته وشعبه بحجة واهية هي محاربة الإرهاب! وبالأمس عصف الفيتو الخامس لها في مجلس الأمن مجهزاً على كل تلك المساعي الدبلوماسية الساعية لحل المسألة السورية وما خلفتها من تناقضات دولية عميقة. لدرجة وصفه وزير خارجية بريطانيا بخجله من رئاسة روسيا لهذه الدورة لمجلس الأمن، وأتبعه أن روسيا تدفع بنفسها لإبادة موسكو.

المسألة المتأزمة اليوم وصلت لدرجة معقدة لا تحمد نتائجها، فأوربا ترزخ تحت ضغطي مشكلة اللاجئين السوريين بفعل النظام ومن خلفه روسيا، وتحت ضغط خطوط الغاز الروسية واحتكارها لها. والوليات المتحدة تسعى جاهدة لمسك عصا المنطقة من المنتصف، فبين حماية أمنها القومي ومثله الإسرائيلي وبقائها على رأس الهرم العالمي، وبين عدم الانجرار لمواجهة روسية مباشرة، تتعثر السياسة الأمريكية أخذة بالتخلي التدريجي عن شركائها الأساسين بالمنطقة بطريقة براغماتية محضة كما حدث مع تركيا والسعودية ودول الخليج، والروسبوتينية تستفيد من كل هذه التناقضات وتعزز موقعها على خارطة العالم لكن إلى أية درجة ممكنة؟ فالأطراف الكبرى بالعالم تدرك بعين اليقين أن سماحية الأطراف جميعا للعب على سفينة العالم محدودة بثقبها وبالتالي إغراقها، وهو مفاد اتفاق ايطاليا أوائل التسعينات الذي أنهى سباق التسلح النووي وسعى لحظره، ويدرك الطرفان بعين اليقين مخاطره الكبرى في حال نشب نزاع بين إحداها؟؟ فهل يضع لقاء اليوم الحد للشطط الروسي دبلوماسيا ويؤسس لحل سوري- لن يرضي السوريين بكل أطيافهم أمام ضرورة التنازلات الممكنة لكل الأطراف لنزع فتيل تأجيج النزاع المعلن الدولي حوله- ليكون محطة تعقل كبرى يفضي إلى اتفاق لوزان ثالث،  يعيد ترسيم الدولة السورية مرة أخرى وفق قواعد اقتسام النفوذ والهيمنة؟ أم يفتح كل الخيارات الممكنة لما يليه في لقاء لندن والخيارات الأمريكية العسكرية المقترحة في ذلك؟

أي تكن نتائج اللقاء المرتقب، تبقى المسألة السورية والسوريين فيها مركز الحدث، وسيتحملون كل نتائجها الكارثية بحدها الأدنى أو بأعلى مستوياتها، وكأن القدر مرة أخرى يرسم لهم مجدداً أن يكونوا محور الصراع العالمي التاريخي وأن تبقى حقوقهم ودمائهم المهدورة ثمنه الباهظ لليوم في الحل أو التعقيد وفق مسارات المفارقات الدولية الكبرى….