الرئيسية » سوريات » التاريخ السوري » الحكم العثماني في سورية.. بين الازدهار والتقلبات السياسية !!

الحكم العثماني في سورية.. بين الازدهار والتقلبات السياسية !!

العثمانيون إلى سورية في أعقاب هزيمة المماليكبمعركة مرج دابق

سنة 16166م بقيادة السلطان سليم الأول وسيطروا على حلب، ثم اتجهوا جنوباً فسيطروا على باقيبلاد الشام ليتوالى من بعدها خضوع كامل البلاد العربية باستثناء ما يعرف اليوم بالمملكة المغربية.

ظلت بلاد الشام طوال أربعة قرون، وسورية من جملتها، خاضعة للدولة العثمانية، ويمكن التمييز في تلك الفترة ما بين حقبتين لكل منهما خصائصها التي تتميز بها من الأخرى.

أما الحقبة الأولى فتبدأ مع بداية القرن السادس عشر، وتنتهي مع نهاية القرن الثامن عشر، لتبدأ الثانية من بداية القرن التاسع عشر وتنتهي بجلاء العثمانيين عن الأقطار العربية مع نهاية الحرب العالمية الأولى عام 1918م.
يتميز العصر الأول، وهو عصر قوة الدولة إلى حد ما، بفرض النظام الجديد الذي جاء به العثمانيون بحيث أبقوا البلاد على التقسيمات الإدارية التي كانت معروفة في العهد المملوكي. فكانت هناك ولاية حلب، ويتبعها ثمانية صناجق، وولاية دمشق ويتبعها تسعة صناجق، وولاية طرابلس ويتبع لها سبعة صناجق، ثم استحدثت ولاية صيدا فيما بعد بسبب تطور الأوضاع السياسية والاجتماعية والأحداث الداخلية التي طرأت على المنطقة فيما بعد.

كان جان بردي الغزالي، الذي خان مليكه قانصوه الغوري في معركة مرج دابق، أول والٍ على سورية، وأول من ثار على السلطان العثماني من الولاة، وبسبب تمرده وانقلابه على السلطان قسمت سورية إلى ثلاث ولايات لتسهل السيطرة عليها، وخوفاً من أن تجتمع بإمكاناتها بيد وال واحد.

السلطان سليمان القانوني

سادت فترة من الهدوء في بلاد الشام بشكل عام لأكثر من نصف قرن، وكان جميع الولاة الذين تداولوا السلطة من كبار الشخصيات والوزراء العثمانيين الأكفاء، الأمر الذي مكنهم من ممارسة الحكم على النحو الذي تحقق فيه عامل الاستقرار، وقد ترافق وجود هذا النموذج من الولاة مع وجود سلاطين كبار، كالسلطان سليم وابنه السلطان سليمان المعروف بالقانوني، فلا عجب أن وصلت الدولة في هذا العصر إلى أوج مجدها. غير أن بوادر الضعف وأحداث الشغب وما تخللها من عسف وجور الولاة والموظفين بدأت تظهر من بعد وفاة السلطان سليمان القانوني، واعتلاء عرش السلطة من قبل سلاطين غير مؤهلين، كان لعزلتهم خلف أسوار القصور وانشغالهم بالملذات أثر كبير في فساد المؤسسات وانحطاط مستوى الجيش، مما نتج عنه أعمال عنف وتمرد بين صفوف العساكر والأمراء المحليين، بلغت ذروتها في بلاد الشام عند نهاية النصف الأول من القرن السابع عشر، كثورة علي باشا جانبلاط في جهات كلّس شمال حلب، وثورة فخر الدين المعني في جنوبي سورية.

في القرن الثامن عشر ظهر جيل جديد من الولاة والموظفين حظيت غالبيتهم بحماية الصدر الأعظم والكزلار آغا في مقر السلطنة، كآل العظم الذين تشير أغلب المصادر إلى أن أصلهم من معرة النعمان، وأول من ظهر منهم إسماعيل باشا العظم، ثم أخوه سليمان، ثم أسعد بن إسماعيل الذي بلغت الأسرة في عهده ذروة نفوذها في بلاد الشام، وفي الوقت الذي كان فيه هؤلاء ولاة على دمشق كان هناك عدد آخر من أبنائهم يديرون دفة الحكم في المناطق الأخرى، فإبراهيم بن إسماعيل كان والياً على طرابلس، وياسين بك بن إبراهيم كان حاكماً في اللاذقية، في حين كان أسعد في عهد أبيه نائباً على حماة والمعرة، وهكذا كما لو أن بلاد الشام كانت محكومة وراثياً من قبل أفراد هذه الأسرة. ويبدو أن القضاء على تمرد الخارجين على سلطان الدولة، سواء من قبل بعض طوائف الجند كالدلاتية والزرباوات، أم من هجمات البدو التي كانت تستهدف طرق التجارة وقوافل الحج، إضافة إلى إتباع سياسة التوازن بين مختلف القوى المحلية في الولاية الواحدة، كانت كلها عوامل استقرار جعلت سلاطين الدولة العثمانية يفضلون أفراد هذه الأسرة على غيرهم لإدارة أمر البلاد، بصرف النظر عما لحق بهم من عسف وجور مع المصادرة والعزل في كثير من الأحيان.

تعرضت البلاد عند نهاية القرن الثامن عشر إلى فوضى بسبب الصراع على النفوذ من قبل بعض الأسر، وفي الوقت نفسه تعرضت البلاد الشامية إلى كوارث ومجاعات وأوبئة ساعدت على تنامي هذه الاضطرابات التي انتهت باحتلال دمشق من قبل علي بك المملوكي، ومن بعده أحمد باشا الذي استمر والياً على الشام لعدة فترات، كان السلطان في أثنائها راضياً عن أدائه، لقدرته على إخضاع المتمردين، وبقي أحمد باشا سيد الموقف في بلاد الشام حتى مجيء نابليون إلى مصر ومحاولة سيطرته على الشام سنة 1799م.

لم يطرأ في هذه المرحلة تعيير جوهري في نظم البلاد أو الطريقة التي كانت تُدار بها، ولعل مردّ ذلك إلى أن ثمة هامشاً من الحرية في الإدارة جعلت الوالي يتمتع ببعض الصلاحيات لإدارة الولاية، فكان الحكم أقرب إلى اللامركزية، وأميل إلى البساطة والمحافظة. أما ما له صلة بالأنشطة الحضارية فيبدو أن الجهود كانت منصبة على الاهتمام بالجيش، لاعتقاد السلاطين أنه العنصر الأساس في مواجهة الأخطار المحتملة، في حين أن المستوى العلمي كان أدنى مما كان عليه في العهود السابقة، إلا من بعض المدارس التي أنشئت في كبريات المدن كدمشق وحلب، وهي ذات طابع ديني بحت، ولكن كان اهتمام الولاة الأكثر بالمنشآت العمرانية التي لا يزال قسم كبير منها باقياً على اليوم، كالتكايا والمساجد والخانات المنتشرة بكثرة في كل من دمشق وحلب على وجه الخصوص.

تعرّض المشرق العربي في مستهل الفترة الثانية من الحكم العثماني، إلى أحداث هزت الدولة العثمانية، أولها بروز الدعوة الوهابية وإقامة دولتها التي وحدت أقاليم الجزيرة العربية في ظل الأسرة السعودية والثاني بداية الزحف الاستعماري نحو البلاد العربية، والذي استهله نابليون بونابرت بحملته على مصر وبلاد الشام، أما الثالث فهو محاولة محمد علي باشا والي مصر تأسيس دولة قادرة على حماية نفسها، بعد أن فقد الثقة بقدرة العثمانيين على حماية ممتلكات دولتهم، هذه الأحداث كان لها دور مؤثر في تغيير عقلية الإنسان في المشرق العربي، وجعلته يصحو من رقاده ليتحمل مسؤولية الدفاع عن الأرض والإنسان والثقافة إزاء الأخطار التي بدت تلوح في الأفق، مع وصول طلائق القوى الاستعمارية التي راودتها، على ما يبدو، فكرة العودة إلى النمط الروماني القديم.

كانت ولاية دمشق من وجهة نظر محمد علي لا تقل أهمية عن ولاية مصر، فالبلدان يتمم كل منهما الآخر من الناحيتين العسكرية والاقتصادية، ومن أجل قطع الطريق على خصومه وأعدائه كان يرى ألاّ مناص من امتلاكهما، وقد واتته الفرصة حينما استغل فرار بعض الفلاحين إلى عكا، فوجه قواته إليها ودخلها سنة 1832م، وتابع تقدمه بسرعة إلى دمشق التي استقبلته منقذاً ومحرراً، وبموجب صلح، كوتاهية، أصبحت ولاية الشام خاضعة لإدارة محمد علي طوال حياته، وعلى الفور بدأ بسلسلة من الإصلاحات كإلغاء الضرائب عن السلع التجارية، وتحسين ظروف المزارعين، وأصبح في وسع التجار والصناع الاطمئنان إلى سلامة أموالهم، ونتيجة لهذه السياسة، فقد تطور الاقتصاد تطوراً ملحوظاً، وانتعشت بسببه المدن السورية، وتعززت الثقة في نفوس الأهالي.

أما على الصعيد العلمي فقد شملت الإصلاحات قطاع التعليم وأنشئت المدارس الابتدائية في المناطق والنواحي، والمدارس الثانوية في مراكز المدن كـدمشق وأنطاكية وحلب، على النظام نفسه الذي كان سائداً في مصر، وأُقرت القوانين التي كانت تلزم الطلاب بارتداء أزياء خاصة بهم، وشيدت أبنية سكنية ملحقة بالمدارس لإيواء الوافدين إليها من الطلبة، واشتملت المناهج على تدريس المواد الهادفة إلى غرس الوعي القومي في نفوس الدارسين، الأمر الذي جسد فكرة الانتماء القومي إلى الأمة العربية عند غالبية المثقفين العرب مع بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

 

مجلة أكتشف سورية