الرئيسية » مقالات » دراما الإرهاب وغربانها

دراما الإرهاب وغربانها

لن نكمل “ثلاثون” يومًا، لمشاهدة اللقطة الأخيرة من مسلسلٍ، يتناول ظاهرة الإرهاب، لا يبدو الانتظار مفيدًا، لمراقبة المستوى الهابط الذي تقدمه دراما رمضان في ما يخص “الإرهاب”، وربطه بسيناريو ثقافة مجتمعية أصيلة، لا علاقة لأنظمة الحكم في ترسيخها. لا نرى في الهدف المرجو، من وراء هذا الانحدار الذي يصل إلينا بإنتاج وتمويل ضخم، غير إبعاد الشبهة والمسؤولية عن أجهزة استخبارات رسمية وإرهاب، يصدر من أقبية أنظمة حكم، تعمل على قيادة (بروباغاندا) إعلامية، لها أبواق إعلامية وممثلون ونخب رافقوا اندلاع الثورات المضادة، وبعض الفنانين تجند لأن يكون “فدائيًا” يحمل حذاءَ القاتل ويقبله! يضعهُ على رأسه، وصولًا لاستخدام مأساة السوريين كنتيجة لإرهاب محصور فقط (بداعش)، وبطرق دعائية مبتذلة!

دراما الإرهاب ناشزة خالية من مضامينها الإنسانية والأخلاقية، يكمن فيها إيصال الصورة بعنصر واحد، يغيب فيها إيصال الحقيقة بشكل مباشر وواضح. تجسيم النزاعات البشرية، على النحو الذي تقدمه قنوات إعلامية، لحياة بشر ما زالوا يتلقون براميل متفجرة وصواريخ طائرات تهدم بيوتهم وممتلكاتهم، وتدفن أسرًا بكاملها، يقضون تحت التعذيب -بالآلاف- في أقبية استخبارات، كتبت لهم رواية “نكاح الجهاد” في ما هو يمارس “نكاح النضال” ويتعامل باستخفاف مع حياة ملايين البشر! كان يكفي المخرج أو الكاتب أو الممثل، أن ينزل إلى أزقة مخيمات اللجوء ليستمع لروايات ومعاناة ملايين البشر، لا أن ترسم استخبارات الدولة في ذهنه إخراج مشاهد تنسجم ونشرات الأخبار التي يروج لها منذ ستة أعوام.

لكن من قال إن طاقم الأعمال الدرامية المختصة “بدراما الإرهاب” لا يعرف الحقائق؟ على العكس تمامًا، تعكس الأعمال المقدمة -منذ ستة أعوام- أسباب التبرير وهي كثيرة، تقود في النهاية إلى العدم وإسقاط المسؤولية عن النظام، وتحميل الضحية كل الأسباب المفعمة بالعبث، وقدر الإنسان أن يكرر بصورة لا مجدية فعلًا، لا مجديًا يتعلق بحريته وكرامته، وتحطيم الروابط المألوفة بين الأشياء، وإسقاط الصبغة الإنسانية عن معاناة بشر من لحم ودم؛ عبر ازدراء الواقع بوصفه شيئًا بلا سبب، منذ الحلقة الأولى لمسلسل “غرابيب سود” يحضر “الداعشي” ويغيب المسؤول الأمني، ويغيب أمراء الميليشيات الطائفية الأخرى، فلا زينبيون، ولا حيدريون، ولا فاطميون، ولا حشد شعبي، ولا ميشال سماحة، ولا نصر الله، أو علي مملوك.

يغيب عن الصورة أمراء “تنظيم الدولة” في فروع الأمن، وتغيب التسهيلات اللوجستية، فقط المشاهد الأولى، متطوعون جاهزون للجهاد ونكاحه وللانتحار للفوز بحوريات! يعني دراما تثبت أنها تعمل على تفخيم التفاهة التي يولدها المنطق اللاعقلي، مع أنه لو حبكت بشكل متين، مع فرق الإرهاب الأخرى ومشغليهم، يمكن أن تلامس شيئًا من المنطق، لكن الحبكة الدرامية تجرّ معها مستويات متدنية، لا تصلح أن تكون عاكسة لحقيقة جذور الإرهاب وتفريعاته التي بات يعرفها أصغر طفل سوري أو عراقي أو مصري.

تصوير معطيات آلام البشر من الإرهاب، ليس مستحيلًا، وهي أكثر عمقًا، بالمعنى المثقل بالضمير الإنساني، أما تحرير لغة الدراما من معناها الأخلاقي والإنساني، بمعايير جامدة في الأفكار، فهي خسارة وفشل من الاقتراب من عقل المشاهد، وانكشاف عن دراما سخيفة تبرز لنا أي عالم يجب أن نحيا فيه، قلنا سابقًا: إن الأفلام التي وثقها السوريون، عن الجرائم التي ارتكبت بحقهم، تعادل ما أنتج في هوليوود وبوليوود لأعوام، كل المبررات لا تلغي ثقل الأشياء التي تكافح فيها روح السوري، في يأس شديد ضد الإرهاب لتحجبها دراما لا تترك لها أثرًا، مع أن حمزة الخطيب، وتامر الشرع، وباسل شحادة وغيات مطر والقاشوش، والأفران البشرية والمسالخ، ستبقى شواهد حاضرة لإدانة القتلة والإرهابيين، وأبدية ستكون مشاهد الفاشية المستمرة في الذاكرة السورية.

استنباط المخرجين لشواهد وأمثلة “غرابيب سود”، ليس فيه فائدة للمشاهد، سوى فتح شهية التنفيس عن الأنظمة القمعية ومكنونات إرهابها الممارس التي أصابت حتى عقل من يدعي معرفته بإخراج الرواية، حتى لو استخدم استعارات، وتمسك أكثر في الروايات الأمنية، فهي لا تصب في خانة الحقيقة، ولا في خانة الفن، إلا بالتحول إلى غربان للدراما، هدفها الطبطبة على كتف الطغاة آباء (داعش) وأمهاتهم.

 

نزار السهلي/ جيرون