الرئيسية » سوريات » من التراث السوري » الأغباني الدمشقي … حكاية عشق من ألوان وخيوط

الأغباني الدمشقي … حكاية عشق من ألوان وخيوط

 

يجمع المؤرّخون والباحثون على أنّ التّجارب الأولى لصناعة النّسيج تمّت على أرض سوريا، حيث عرفت هذه المنطقة الأصبغة الطّبيعية وعملية تلوين الملابس منذ عصر الفينيقييّن الذّين، بدورهم، نقلوها من خلال تجارتهم إلى مختلف أنحاء العالم.

وفي العهدين اليوناني والرّوماني، ذاع صيت المُطرّزات السّورية بشكلٍ كبيرٍ، حيث نقلها الصّليبيون بعدئذٍ إلى أوروبا وإلى العديد من دول المعمورة.

«الأغباني» أو حرفة التّطريز.. هي حرفةٌ دمشقيّةُ الأصل. ثمّ امتدّت وانتشرت فيما بعد في بعض الدّول العربيّة. ويُعرَف الأغباني بالنّسيج الأبيض الذي يُطَرّز بالحرير الأصفر. وقد كان سابقًا يُصنَع من الحرير الطّبيعي وِفقَ زخارف متنوّعةٍ؛ أمّا اليوم، فيُستعاض عنه أحيانًا بقماش «الكتّان» العادي المصبوغ أو السّادة، والذي أصبح يُحصل عليه من شركات الغزل والنّسيج.

يتميّز الحِرَفيّ السّوري الذي يعمل بطبع «الأغباني» بحسٍ مُرهفٍ وخبرةٍ عريقةٍ متوارثةٍ عبر الأجيال. وقد عُدَّ هذا النّوع من النّسيج، الذي طَرَّزَت عليه «الإبر الدّمشقيّة» آلاف الرّسوم والأشكال، هدفً الأغنياء والسّائحين القادمين من كُلّ حدبٍ وصوبٍ، حيث أصبحت مسألة الحصول عليه تقتصر على بعض الشّرائح الميسورة، وعلى المُغتربين الذّين يشترونه لمجرّد التفاخر بوجود هكذا نوعٍ من الصّناعة.

ومنذ أكثر من خمسمئة عامٍ، كان حرفيو «الأغباني» في دمشق يطبعون النّسيج على الحجر والرّمل. ومع تطوّر الزّمن، أصبحوا يستخدمون النّحاس على شكل قوالب وصولاً إلى قوالب الخشب. ورغم أنّ حرفة الأغباني تطوّرت كثيرًا في السّنوات الأخيرة، وأصبحت تنتج من خلال الكمبيوتر، وتعتمد على الآلات الحديثة والكاتالوغات الجديدة، إلاّ أنّ هذا التّطور لم يستطع أن يلغي دَور اليد العاملة أو التّطريز اليدوي، لأنّ أيّة قطعةٍ تُنتَج يدويًا تُعتبر متميّزة في الدّقة والجودة والإتقان، الأمر الذي يدفع بالكثيرين إلى شراء النّسيج الأغباني المُنتَج يدويًا. والأغباني اليدويّ أي «شغل الإبرة» قريب من «الكانفا»، إلاّ أنّه نافر أكثر وذو جودةٍ أعلى. وهو يُصنَع من الحرير الطّبيعيّ والخيط المُقصّب. وتُعتَمد هذه الحِرفة لتستكمل مقوّمات وجودها على عدّة أنواع من الآلات والمُعدّات، منها «الإصطمبا» والطّاولة المستطيلة والفرشاة والطّبق وقطعة من قماش الشّاش الذّي يُوضع فوق الطّبق لإمتصاص المادّة الصّباغية، وأخيرا القوالب الطّباعية الأساسية. ولكلٍّ من هذه المعدّات عَمَلها الخاص. وتُقسَم قوالب الطّباعة الأساسية إلى أشكالٍ ومُجسّماتٍ، وهي كثيرة، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: «الحنامة» و«أخو الحجب» و«السّلطعان» و«سقف القاعة» و«العريشة» و«الفلّة» و«دعسة الجمل» و«البقلاوة» و«عرق الورد» و«الفراشة» و«الشّمعة» و«الأرزة»… الخ.

كذلك الأمر بالنسبة للتّطريز، حيث يُعتمد على ثلاثة أنواعٍ متنوّعةٍ، أوّلها «التطريز الطّلس» ويُعنَى به تطريز القطعة بالكامل ضمن رسمٍ معيّنٍ. وثانيها «التّطريز الرّش» ويُقصد به تطريز جانبٍ من القطعة والحفاظ على الباقي بشكل سادة. وثالثها «التطريز النّافر» وهو نوع من التّطريز الخفيف المُتمّوج والذي يعطي شكل الكريستال على القطعة، وهو من أجود أنواع التّطريز. كما يوجد أيضًا، إضافةً لما ذُكِرَ، «التّطريز الآلي» وهو عبارة عن حرير نباتيّ «صناعي» ذي تطريزة طامسة. ويمتاز كلّ نوعٍ من التّطريز بسماتٍ

وخصائص معيّنةٍ، تناسب ماهية البلد وفنّه وتراثه.

ومن باب الحداثة، دخل مؤخّرًا «الأغباني» برسومه وزخارفه في مجالاتٍ عدّةٍ واستخدامات متنوّعةٍ، كما أصبح يُصنَع أحيانًا حسب الطّلب ووفق نماذج معيّنةٍ، ويُسوّق محلّيًا وعربيًا ودوليًا ويكثُر الطّلب على الإنتاج اليدويّ الذّي يتميّز بالجودة والمهارة والإتقان، شأنه في ذلك شأن الدّامسكو والبروكار. وقد تضاءل عدد ورش وصنّاع هذه الحِرفَة القديمة قدم الزّمن وأصبحت نادرةً، هذا إن لم توشك على الزّوال، وذلك بسبب التّكلفة العالية لعمليّة التّصنيع اليدويّة وعدم مقدرة غالبية النّاس، بمُختلف شرائحهم على شراء واقتناء هذا النّوع من النّسيج الذّي يُعتَبَر، ومايزال، رمز الأصالة والتّراث والفولكلور.

الحكواتي -الفينقيون دمشق