الرئيسية » سوريات » من التراث السوري » البروكار الدمشقي .. الذي ارتده الملكة إليزابيث في زفافها … خيوط الشمس الدمشقية

البروكار الدمشقي .. الذي ارتده الملكة إليزابيث في زفافها … خيوط الشمس الدمشقية

تقول الروايات التاريخية إن أصل البروكار الدمشقي يعود إلى ثلاثة آلاف سنة، حيث كانت خيوطه الحريرية تستورد من الصين، ولاسيما أن دمشق كانت محطة مهمة على طريق الحرير القديم. وفي القرن الماضي وما قبله استخدم الحرفيون السوريون الحرير الذي تنتجه بلدة الدريكيش السورية التي اشتهرت بتربية دودة القز، وتغذيتها بأوراق شجر التوت. ومن ثم كان الحرير المنتج يرسل إلى حلب لمعالجته وبرمه وفتله وتبييضه ثم صبغه حسب الطلب ليكون جاهزاً للنسج في دمشق.

تعتمد صناعة البروكار التقليدية على عنصرين أساسيين: الإنسان الحرفي والنول اليدوي. وفي بداية القرن الماضي كان في سوريا حوالي ألف نول يدوي يعمل عليها آلاف الحرفيين، لكن هذه الأنوال تقلصت إلى نول واحد قديم في سوق المهن اليدوية بالتكية السليمانية في دمشق، ونولين آخرين. بينما تقلص عدد العاملين في هذه الحرفة إلى ثلاثة معلمين وعدد من العمال لا يتجاوز العشرة؛ فلماذا تراجعت حرفة البروكار الدمشقي ذات الصيت العالمي؟

«ماكينة جاكار»

 

يقول حرفيون عاملون في هذه المهنة إن تبدل الأزياء أثر على صناعة البروكار، ولاسيما أنه قماش مرتفع الثمن، نظراً لحياكته يدوياً، ولا ينتج الحرفي الماهر أكثر من متر واحد من هذا القماش في اليوم، وبالتالي فإن إنتاجه قل كثيراً بانخفاض عدد الحرفيين والأنوال. إلا أن الضربة الموجعة التي تلقتها حرفة نسيج البروكار كانت على يد المهندس الفرنسي جاكار الذي زار دمشق أيام الانتداب الفرنسي على سوريا، واطلع على نول دمشقي قديم ورسم تفاصيله، ثم عاد إلى فرنسا ليصنع آلة نسيج سميت باسمه “ماكينة جاكار”، ثم استورد بعض التجار هذه الآلة، وأصبحوا ينتجون البروكار الآلي وهو يكاد لا يمت بصلة إلى هوية وروح البروكار اليدوي، لكن هؤلاء التجار أصبحوا يسوقون البروكار الصناعي وبيعه باعتباره (يدوياً) مستغلين جهل الزبون العادي. ويضرب الحرفي أحمد مثالاً عن الفرق بين البروكار اليدوي والبروكار الآلي بالقول:”إنه كالفرق بين سجادة مصنوعة يدوياً وبمهارة وحرفية، وبين سجادة صنعتها الآلة وتفتقد إلى الروح. ويمكن أن تتكرر في آلاف النسخ”. لكن الحقيقة أن هذه الآلة وإنتاجها الصناعي أضر كثيراً بحرفة البروكار الدمشقية العريقة، وأساء إليها.
الأوروبيون والبروكار

النخبة الأوروبية لا تزال تقدر وتعرف قيمة البروكار الدمشقي المصنع يدوياً، فهو قد غزا أوروبا وكان يعرف باسم “دامسكو” نسبة إلى دمشق، ثم عرف في إيطاليا باسم “بروكاتلو” والذي تحول بالفرنسية إلى “بروكار” ليشير إلى هوية هذا الإبداع السوري الذي يعني اختصاراً قماشاً مصنعاً يدوياً من الحرير الطبيعي ومطرزاً بخيوط ذهبية أو فضية.

ويلاحظ أن غالبية السياح الأوروبيين الذين يأتون دمشق يسألون عن “البروكار” ويتوقون لرؤية النول اليدوي الذي ينسجه.

وانتقل هذا الاهتمام من مستوى الأفراد إلى مـستوى الدول، فقد استضافت فرنسا أحد معلمي صناعة البروكار الدمشـقي أحمد شـكاكي لمدة ثلاثة أشهر مع نوله اليدوي، حيث أذهل الفرنسيين بما كان ينسـجه، ولديه دعوة حاليا لتكرار التجربة لمدة سبعة أشهر.

كما أن بعض النخب العربية تعرف قيمة البروكار وتقدره، فقد استضافت دولة عربية المعلم شكاكي مع نوله، وعمل هناك بإنتاج البروكار الدمشقي لصالح أحد القصور الرسمية.
وشاح أمية

في سوريا ينظر المسؤولون بأهمية إلى هذه الصناعة التقليدية العريقة، لكن أية جهة رسمية لم تقدم الدعم المطلوب لها حتى الآن، رغم التصريحات التي تشير إلى أهمية الحفاظ عليها، ورغم ذلك فإن هناك إشارات إيجابية وإن كانت محدودة، إذ أن “وشاح أمية”، وهو أرفع وسام رئاسي سوري هو من البروكار الدمشقي الموشى بالذهب والمصنوع يدوياً، كما أن أرائك مجلس الشعب السوري ومقاعد قاعات الشرف في مطار دمشق الدولي مصنوعة يدوياً وعلى النول الدمشقي القديم. وهو ما يشير إلى أن هناك أنواعاً من البروكار، الخفيف (وزناً) يستخدم للأزياء، ولاسيما للعرائس وملابس السهرة، والوسط يستخدم لصناعة السترات، أما الثقيل منه (وزناً) فيستخدم للمفروشات.

وفي المحصلة فإن الزمن لا يعود إلى الوراء، لكن البروكار الدمشقي المنسوج يدوياً لا يزال صامداً بألوانه الساحرة ونقوشه الشرقية ومطرزاته الذهبية والفضية، وهو يقاوم من أجل البقاء والاستمرار، يدعمه في ذلك حماة التراث وعشاق الإبداع الدمشقي.

ارتدته إليزابيث وماري أنطوانيت

ارتدت الملكة إليزابيث الثانية ملكة بريطانيا ثوباً من البروكار الدمشقي، نسج خصيصاً لها من الحرير الطبيعي الموشى بخيوط الذهب والفضة، والمحلى برسوم نباتية خاصة، وقد نسج “بروكار” ثوب الزفاف الملكي المعلم الأيوبي على نول يدوي قديم يعود إلى عام 1890 وأمضى ثلاثة أشهر حتى نسج مائتي متر منه، قدمها رئيس الجمهورية السورية الراحل شكري القوتلي عام 1953 هدية للملكة من سوريا بمناسبة زفافها. ولا يزال طراز بروكار الملكة بنقوشه ورسومه يحمل اسمها حتى الآن.

وقبل ملكة بريطانيا فإن الدوريات السورية القديمة تذكر أن الملكة ماري أنطوانيت زوجة الملك الفرنسي لويس السادس عشر آخر ملوك فرنسا كانت مولعة بالبروكار الدمشقي وكانت خزائنها تضم 72 ثوباً منه عام 1782، قبل قيام الثورة الفرنسية. ولم تكن شهرة البروكار الدمشقي ناتجة عن ولع الملكات والملوك به، بل إن شهرته العريقة والقديمة هي التي دفعت بالملكات إلى اختياره والتعلق والمباهاة به.

الاتحاد