الرئيسية » مقالات » موال حليمة.. تعويذة يرددها أشبال “أسد بابا عمرو” والمعنى في قلب العجائز

موال حليمة.. تعويذة يرددها أشبال “أسد بابا عمرو” والمعنى في قلب العجائز

لا “وصايا” تلقنها الجدة “حليمه الخطيب” اللاجئة في لبنان لأيتامها السبعة قبل أن يخلدوا للنوم، ولا أمنيات بأحلام سعيدة تبثها على مسامعهم كذلك، فهنالك من افترس قلب “حليمة”، كما يصور واقع الحال، وانتشل من بين حناياها -وهي السبعينية العجوز- نكهة حنان الجدات ودفء أصابعهن عندما يسدلن ستارة نهاية النهار فوق أجساد أحفادهن الغضة وهي تعبر متثاقلة نحو ملكوت النوم.

ربما لازالت أصابعها هناك، وقلبها أيضاً هناك في المقبرة، يوم راحت تلامس وللمرة الأخيرة ما تبقى من جثة ولدها “مهند العمر” قبل أن يدفن في مقبرة حي “السلطانية” المجاور لحي “بابا عمرو” الحمصي مساء 5-3-2012، بعد معارك ضارية خاضها من كان يلقبونه “أسد بابا عمرو” وأحد قادة ومؤسسي “كتيبة الفاروق” دفاعاً عن ذلك الحي الذي بدا أن قوات الأسد وميليشياته الطائفية قد بيتت النية لاقتحامه بعد حصار دام 26 يوماً أمطرته فيها بمختلف أنواع القذائف والصواريخ.

تقول الجدة “حليمة” “شتان ما بين زأرة العز التي كان يطلقها ولدي مهند وهو يصنع الملاحم والبطولات في شوارع وأزقه حي بابا عمرو في لحظات حصاره، وبين هذه الزأرة المنكسرة الجريحة التي تصدر عمن تركهم لي من أيتام خلفه”.

“محمد” و”ماريا”، تركة “مهند” المقدسة، تقول الجدة المكلومة، وزد عليهم “نور العين (12سنه) وشمس الأصيل (11 سنة) وطل القمر (6 سنوات) وخالد (6 سنوات) ويحيى (4 سنوات)”.

“أكوام من اليتم واللحم أكابد بكل ما أوتيت من ضعف وحزن كي أتدبر ما يقيهم حاجة المخلوق أيا كان شأنه أو علت قيمته، وأي شأن أو قيمة قد يعلوان في ناظري بعد رحيل من وهب دمه وروحه لنصرة سوريا وبابا عمرو”، تضيف الجدة.

وتتابع “هؤلاء أشبال ولدي لا عرين لهم اليوم بين هذه الخيام الموحشات سوى قلبي المكسور، في الأمس عاشوا بعز أبيهم، واليوم أحاول بما بقي لي من ثمالة حياة وقوة أن أقدم لهم قصارى ما أستطيع، وسيعيشون في عز جدتهم ما حييت”.

ما أظلم التاريخ حين تدور رحاه لتحطن عزيز قوم وتنثره كما الطحين على قارعة الغربة بلا سند أو معين وكأن لسان حالها يريد أن يقول ما قاله المعتمد بن عباد يوماً:
ترى بناتك في الأطمار جائعة
يغزلن للناس لا يملكن قطميرا
يطأن في الطين والأقدام حافية
كأنها لم تطأ مسكآ ..وكافورا
وإن كانت السجية قد خانتها بسرد ذلك شعرا، فإن ذاكرة الجدة “حليمة” أسفعتها لاحقآ وهي تداري دمعتين انهمرتا بترديد موال عتابا ربما كان مطلعه
“يا ديرتي مالك علي لوم
لومك على من خان… ”

كلمات على بساطتها ظلت عصية عن الفهم، فما أكثر تلك المواويل التي تظل “شيفرتها” وتفسيرها سرا عصياً لا تبوح بمعناها قلوب العجائز.

 

عبد الحفيظ الحولاني. زمان الوصل