الرئيسية » مشاركات القراء » عام الندم، أما الثورة فتستمر

عام الندم، أما الثورة فتستمر

يبدو أن العام السادس للثورة السورية جاء ليدفع فيه كل طرف ثمن الاختيارات الخاطئة والرؤية وحيدة الجانب و تحجّر المواقف الذي أثقل كاهل السوريين لمدة خمسة أعوام و يُقرأ ذلك على عدة جوانب.
فعلى سبيل المثال يَختصرُ الموقف الذي يتخذه السوريون المعارضون من الحكومة التركية جزءاً كبيراً من انقسامهم و من معضلة الرؤية وحيدة الجانب التي يتبعون، فمنهم المهاجمين والناقدين لكل ما تقوم به تركيا على الحق كما على الباطل تحت اسم العلمانية، بحيث تبعثرت المصداقية في آراؤهم و بات يطغى عليها توجه النقد الأعمى، يقابلهم تماماً المادحين بعيون مغلقة تحت اسم السياسة الساعين في باطن الأمر لمصالح ضيقة تُفقد رأيهم هو الآخر قيمة الصواب.
خلال هذا العام جرت الكثير من الأحداث التي وضّحت المواقف لكلا الطرفين فُسّرت عبره البديهيات بالوقائع العملية، بأنه وبعيداً عن آمالهم فان تركيا تسير بحسب مسار يضمن استقرارها وهي البوصلة الوحيدة في تحركاتهم وذلك حقهم المشروع وتلك هي زاوية الرؤية التي كانت مُغيبة حصراً من الأطراف السورية عمداً أو سهواً.
لكن هذه ليست نقطة الانقسام الوحيدة حيث تعتبر القضية الكردية عامل تشرذم متعدد المحاور بين السوريين وليس اختلاف بالرأي فقط، حمل هذا العام أيضاً جواباً صريحاً على من دعم و نادى بالانفصال. تبين لمن استعاروا سلاحاً غربياً لا يمتلكون ذخيرته أنهم قاموا باختيار خاطئ سيسجله التاريخ بقسوة، اختيار دفع بهم لبناء مشاريع على رمال الآخرين المتحركة و زرع التعصب و حصاد الكره في المقابل و الندم حين لا ينفع، حين انهيار سراب كان جلياً للآخرين مقدار فشله و هشاشته.
تبعية سلاح الفصائل المقاتلة لخارج الوطن بالمال والفكر و الولاء، عامل آخر من عوامل الاختلاف السوري الذي تكشفت أعماق مساوئه هذا العام أيضاً فلم تُثبت الا بعض هذه الفصائل انتماءها لروح الثورة السورية. لكن هذا التسليح لم يظهر ثباتاً و فاعلية في العديد من المناطق التي شهدت صراعاً بين الاخوة من نفس الصف و قّتل المئات من السوريين باستخدام هذا السلاح نفسه الذي لم يكن قادراً على الوقوف بوجه تفريغ المناطق من أهلها أو على إيقاف التغيير الديموغرافي على أرض أهلها أحياء يرزقون.
مما يجعل التساؤل عن فاعلية الدور الذي كان منتظراً من هذا السلاح مطروحاً خصيصاً حين لم يحصد حاملوه الا انقسامات داخلية و خسائر في الأرض و البشر و الأهم فقدانهم ثقة السوريين بدورهم في الدفاع عن الحرية تحت رايتها.
من جهة أخرى كان حصاد الندم هذا أشد وطأة على المؤيدين أو الحياديين وأي فئة من المقيمين في مناطق النظام، فقد بيّن لهم التدخل الروسي والإيراني المتفاقم نموذجاً عن المستقبل الذي ينتظرهم فهم باتوا تحت وطأة احتلال مباشر، بدأت مظاهر ضغوطه اليومية المعاشة في تفاصيل الحياة تظهر لهم وان تباينت من منطقة لأخرى لكنهم يعرفون أنهم لم يعودوا يمتلكوا أمرهم، قرارهم، وقريبا أرضهم و رزقهم.
أدركوا أن وجود النظام وظيفياً لم يعد أكثر من قناة لتمرير مصالح الآخرين التي لن تتوافق بالضرورة مع مصالحهم. خوفهم من المستقبل بات أمر واقع والخيارات أمامهم محدودة اما الرحيل لمن استطاع أو البقاء لمن استطاع حيث أن الحد الأدنى من الحياة الكريمة لن يكون متاح.
كان لكل من هؤلاء سيف مسلط على فكره حال بينه وبين اتباع الطريق الصحيح بين إدراك ان مصلحة كل منهم تكمن في المصلحة المشتركة لهم جميعا فإما ان يتحقق الحد الادنى مما يعدل بين الجميع او لن يتحقق لأحدهم شيء. اليوم و بعد أن تبلورت المواقف و توضحت نتائج كارثية لرؤى الخاطئة، فليعذرني كل من يكابر بعد لكن الندم يطال كل من تشنج و تمسك بزاويته الحادة التي تزداد عليه ضيقاً ومن لا زال يؤمن بأن أي سلاح خارجي قادر على تحقيق مطالبه يذهب أبعد ممن يطلب السراب، و عليه العودة الى أرض العقلانية فوراً. فسلاح لا يصنعه شعب بعلمه و تقدمه لن يحميه بل سيحمي العلم صانعه.
ليس الندم حالة غير صحية على العكس، هو الحالة التي قد تدفع نحو البحث عن تغيير وضع ومسار وهو ما نحتاجه للانتقال لمنظور الرؤية الشاملة.
الرؤية الشاملة الشرط اللازم للحفاظ على الوجود السوري، حيث يتطلب الأمر حتماً طرح استراتيجية واضحة تتضمن رؤية سورية جامعة، ليس ذلك فحسب بل على هذه الرؤية أن تكون قادرة على اثبات نفسها ضمن الاستراتيجية الدولية للمنطقة و قادرة على الدفاع عن مصلحة السوريين وسط هذه الفوضى.
أما الندم الذي يطفو اليوم فيبدو صورة العجز أمام العائق الأول فقط والذي تبين أن تجاوزه هو الأكثر صعوبة على السوريين وهو الوقوف معاً من أجل سوريا وطن حر يجمعهم، لأجل من بقي فيها و من يأمل بالعودة اليها و من استشهد على أرضها و لأجلهم جميعاً فالثورة ستستمر .

الدكتورة سميرة مبيض