الرئيسية » مشاركات القراء » خسائر سورية والتكلفة الزمنية والمالية لتغطيتها

خسائر سورية والتكلفة الزمنية والمالية لتغطيتها

اثناء حصار تيمورلنك لدمشق ، وكانت انذاك مطوقة بسور حصين لايسهل اختراقه ، بدأ تيمور يتسقط اخبار المجتمع الدمشقي وتحولاته تحت الحصار ، وعرف اسماء من ظهرت لديهم الميول الاستسلامية ( مثل ابن مفلح)، الذين اخذوا باقناع اهل دمشق بتلبية طلب تيمورلنك اعطائه مليون دينار “يفتدون بها دمشق من الدمار ! “، ليفك عنها الحصار وينسحب بجيشه، ولكن تيمورلنك ماان استلم المليون وتاكد من وجود استعداد للتنازل حتى رفع طلبه الى سبعة ملايين دينار ، فعاد ابن مفلح وعصابة الاستسلاميين الى اهل دمشق يطلبون تلبية طلب تيمور الجديد برفع الفدية الى سبعة ملايين ، ومن اجل ذلك شكلوا وحدات قمع وتشليح ونهب لانجاز هذه المهمة واخماد المتذمرين ، مستخدمين كل مايمكنهم من وسائل القهر لاجبار السكان على تقديم كل مالديهم حتى جمعوا و قدموا له ماطلب ، واذ به يضيف طلبا جديدا ٱخر وهو انه لايمكن ان يرجع عن دمشق قبل ان يدخلها جيشه ثم يخرج منها ، لانه “ملك عظيم ” ولايليق به ان يصل الى مدينة وينسحب عنها دون ان يدخلها ، واعطى عهدا بان لايتسبب عساكره باي اذى ، فوافق الاستسلاميون ، مع والي دمشق ، الذي يعينه السلطان ، كما يعين اميرا على قلعة دمشق ، مستقلا عنه ومرتبطا به , ولم يكن لدى الامير من السلاح ” الثقيل ” سوى منجنيق واحد ، ومن العساكر سوى اربعين متطوع ممن لم يهن عليهم استسلام دمشق وفتحها امام جحافل تيمورلنك ، وقد رفض المقاومون ، امير قلعة دمشق ورجاله ، الاستسلام وقرروا المقاومة حتى الاستشهاد !
فتح والي دمشق وعصبة الاستسلاميين باب سور المدينة ، ووقف قائد الجيش عند البوابة يوصي عساكره بعدم ممارسة اعمال الغصب والنهب ، الى ان اصبحوا جميعا داخل المدينة ، وعندها اطلق تيمور العنان لهم لممارسةاعمالهم الهمجية المعتادة . اما امير القلعة ورجاله فقد استمروا يقاومون بقذف الحمم من منجنيقهم على عساكر تيمور حيثما توغلوا ، حتى نفذت ذخائره وقتل مع جنوده عن بكرة ابيهم ، ( الوقفة التي تكررت في انتفاضة اطفال الحجارة الشهيرة في فلسطين ضد المحتل الصهيوني ، والتي كان قد كررها قبلهم يوسف العظمة ، اول وزير دفاع سوري ، قبل قرن من الان ، بعد خروج سورية من تحت النير العثماني ، ليوقف تقدم جحافل الجنرال الفرنسي غورو التي زحفت من بيروت لاحتلال دمشق ، عاصمة الدولة السورية الوليدة ، بعد رفضه انذار غورو بتسريح الجيش الوطني الذي كان قد بدأ بانشائه ، وابى الاستسلام للجيش الفرنسي الغازي ، وقابلهم مع مئات المتطوعين وبما لايذكر من السلاح مقابل المدافع والدبابات والطائرات التي كانوا يزحفون بها ، لتبدأ المعركة غير المتكافئة ولتنتهي في غضون ساعة في منطقة ميسلون على بعد خمسة وعشرين كيلو مترا من دمشق ، ليعبر الفرنسيون الى دمشق ، ولكن لتبقى جذوة النضال متقدة حتى طرد المستعمرين والفوز بالاستقلال عام ١٩٤٦ ) .
وبعد ان ارتكب عساكر تيمور كل الفظائع ، ” توجوا “جرائمهم باحراق دمشق قبل مغادرتها ، وقد روى ابن خلدون ، الذي كان يرافق الجيش المصري الذي ارسله السلطان من القاهرة ليطوق دمشق ويحميها من تيمورلنك كيف ان المصريين كانت لهم الغلبة في المناوشات الاولى التي حصلت بينهم وبين التيموريين الذين كانوا قد مروا بحلب وحماه وغيرهما بعد حرقها وقطع رؤوس رجالها وبناء اهرامات منهم ، لكن الجيش المصري مالبث ان انسحب بأمر من السطان في القاهرة وعاد الى مصر تاركا دمشق عزلاء امام جيش تيمور بعد سريان اشاعة عن مؤامرة يعدها الامراء لخلع السلطان ، فكان حرصه على الكرسي اهم من دمشق كلها !!!
اما ابن خلدون ، العالم العظيم !، ولكن الشخص الانتهازي ، الذي جاء برفقة الجيش المصري ، فقد استجاب لطلب تيمور للقدوم اليه ، فكان يتسلق سور دمشق ليلا وينزل خارجه بمساعدة بعض اعوانه ويتسلل للقاء تيمور . وكان من عادة تيمور ، عند احتلال اي مدينة التعرف على الوجوه البارزة فيها من فلاسفة وفلكيين وشيوخ دين وعلماء وفنانين ، هذا اضافة الى الحيوانات الاصيلة ، والذين كان ياخذهم ويعود بهم الى عاصمته في ٱسيا الوسطى سمرقند ليشيد فيها افضل ما عرف من بنيان . اما بغلة ابن خلدون فكانت من النوع الاصيل بنية اللون التي كان يخصصها السلطان لاصحاب ” المناصب الرفيعة” ( مثل المرسيدس السوداء التي كانت تلقب عند ظهورها في سوريا ب” الشبح “) ، كقاضي القضاة ، وكان في مصر اربعة منهم _واحد لكل من المذاهب الاربعة ، وكان ابن خلدون قاضي قضاة المذهب المالكي . طلب تيمور من ابن خلدون ان يهبه البغلة مقابل ثمن . يقول ابن خلدون انه قدمها بلا مقابل هدية ” للملك العظيم” ، وخوفا من ان يعلم السلطان انه قبض مالا من تيمور فيشك بعمالته له …
والخلاصة التي تهمنا هنا في معرض الاجابة على السؤال حول كلفة الكارثة السورية الراهنة ، الاكبر والابشع في العالم منذ الحرب العالمية الاولى ، اذا ما استثنينا القنبلتين النوويتين اللتين القتهما الولايات المتحدة على مدينتي هيروشيما وناكازاكي اليابانيتين بعد ان كانت قد تحققت هزيمة اليابان وانتهت الحرب فعليا ، باعتبارهما بطرا همجيا لامعنى عسكريا له ، سوى ارهاب العالم ، وبالاخص الاتحاد السوفييتي وزعيمه ستالين المنتصر الاكبر على النازية .
يقول ابن خلدون : ان حرائق دمشق التي خلفها جيش تيمور عند انسحابه تركت دمشق عشر سنوات قفرا نفرا غير قابلة للعيش الٱدمي !!!!
ان التدمير الذي اوقع بسوريا ، بشكل واع وهادف ، في محرقة السنوات السبع المنصرمة ، والتي لاتبدو لها نهاية حتى اليوم ، اصبح اكبر بٱلاف المرات مما حل بحلب و بدمشق حينها ، هذا اضافة الى ان اعادة الاعمار كانت في تلك الايام ممكنة بالايادي البشرية ، رغم ما كان قد لحق بها من خسائر هائلة، اما اعادة اعمار ما تهدم هذه الايام فتحتاج الى العقول والايادي البشرية الخبيرة ، التي اصابها من الاستنزاف والتدمير اكثر بكثير مما اصاب سابقتها على يد تيمور ، اضافة الى الحجم الهائل من المعدات التكنولوجية والاموال ، والتي تتراوح تقديراتها بين ٤٠٠ و ١٢٠٠ مليار دولار ! وهذا في بلد اصبح اسير العقوبات والحصارات والاحتلالات والتفاهمات الدولية التي لايملك السوريون ، وهم يتهافتون على افناء بعضهم البعض ، اي قدرة على التحرر من نيرها ، اضافة الى افتقار سورية الى الثروات الطبيعية ، واضافة الى ان فجوة تخلفها عن التطور العالمي كانت هائلة بالاصل حتى قبل بدء الكارثة ، عندما كان الفساد الهائل قد استنزفها حتى اعجزها عن توفير الغذاء واللباس والسكن الضروري وابسط مستويات الصحة والتعليم اللائقين لاهلها …الخ
فكيف يمكن تقدير الزمن المطلوب للخروج من تحت الدمار ؟؟
اذا كانت اعادة الاعمار لايمكن ان تنجز الا بايدي اصحاب البلاد المدمرة ، هذا بينما اصبح ربع سكان سورية خارج الحدود ، والربع الٱخر نازح في الداخل ، واغلبهم اما لايرغب اولايراد لهم العودة ، لاعتبارهم ” فائضا بشريا مطلقا يفوق قدرات البلد على الاستيعاب ” !، حسب المالتوسيين ، امثال الاستاذ الجامعي الفرنسي ، الذي ” بشرنا ” قبل ايام في مقابلة على التلفزيون الفرنسي ، بان ثلاثة ملايين سوري ٱخر سيلحقون بسابقيهم الى الشتات مع استمرار الحرب، لتكون سورية الدولة صاحبة الرقم الاكبر في العالم من حيث عدد اهلها المطرودين الى الشتات اقتصاديا وحربيا وارهابا ، وبجميع اشكال القمع التي عرفها والتي لم يعرفها التاريخ ، فاذا كان هذا هو الحال ، فكيف يكون بمقدور احد اعطاء الكلفة التقديرية او عدد السنين المطلوبة لعودة سورية الى الوضع الطبيعي ؟؟؟.
ويزداد الأمر صعوبة اذا علمنا انه في الوقت الذي مايزال البحث جاريا عن “جسر اللوزية ” من اجل تدميره ، بعد ان لم يبق غيره ما يستاهل التدمير ( وهي الطرفة المؤلمة التي سرت في لبنان اثناء حرب ٢٠٠٦ عندما استمر الطيران الاسرائيلي يسبر الاراضي اللبنانية بعد تدمير جميع الجسور عليها ، وهي تسري الان في سورية ، حيث يجري البحث المحموم من قبل كل من هب ودب عن “جسر اللوزية ” السوري لتدميره ، عله يقنع المعتدين بان الحرب قد ” حققت اهدافها ” المرسومة !
واذا علمنا كذلك انه ، الى ان يجري تدمير ” جسر اللوزية ” المفترض ، فان البشرية ستكون قد غادرت الى مواقع متقدمة جدا وغير قابلة للحاق !
نعم ، كنا قد اطلقنا في السنوات الاولى من السبع العجاف بعض التخمينات ، سواء للتكاليف او للسنوات المطلوبة للخروج من تحت انقاض الكارثة الماحقة ، التي يزداد الاصرار على اسباغ سمات ” المفخرة ” عليها ، ولكن لم تكن في الحقيقة اكثر من تخمينات افتراضية ارتجالية ، تحذيرا من مغبة الاستمرار في الهمجية ، وتحريضا لما تبقى من العقل والضمير الانسانيين، اذا كان قد بقي منهما بقية ، من اجل التوقف عن الخيارات المنحرفة المجنونة !
و يجب ان اضيف , ان الذي تحقق فعلا ، وبشهوانية فوق وحشية ، هو الخروج من الجغرافيا والتاريخ العالميين ، وهو ماكنت قد دأبت على التحذير منه سنوات طوال اثناء محاضراتي واثناء ندوات الثلاثاء الاقتصادية بدمشق ، في ظل ظروف شبه اعتيادية ٱنذاك ، وكان الجواب الوحيد علي هذا التحذير هو الاتهام بانه “تحريض على الحرب الاهلية” ( كذا !)، وكمحاولة لتغييب العقل عن الفساد الواقع ، انه “تنكر للايمان بالوعد الالهي( كذا !) بانه يستحيل خروج هذه الامة من التاريخ والجغرافيا لان الله سبحانه وتعالى هُو الضامن لبقائها في مركز القلب من التاريخ والجغرافيا العالميين !”
فهل كانوا ، ام هل مازالوا يعتقدون انهم ” في القلب “؟
ام ان الله هو من تخلى عن ضمانته لاننا امة لانستأهلها ؟
واخيرا ،لابد من القول بان التاريخ هو صناعة بشرية محضة ، وعلى السوريين ان يثبتوا انهم قد وعوا مدى الانحراف الذي بلغوه ، وانهم عن هذا الانحراف لمنكفئون ، ليسلكوا السكة العامة التي يسير عليها قطار التطور العالمي ، الذي لايمكن ان يتحرك بوقود من الاوهام والرغائب والافناء الذاتي والضمانات ، وانما. فقط بقوة العلم وبالعمل الدؤوب المنتج , وبالتضامن والتكافل والتعاون في اطار نظام اجتماعي ديمقراطي انساني .

الدكتور : عارف دليلة