الرئيسية » مقالات » حين انصرفت الولايات المتحدة عن سورية قبل نصف قرن

حين انصرفت الولايات المتحدة عن سورية قبل نصف قرن

سوريات: لا يمكن إغفال البُعد الجيوسياسي للحرب القائمة في سوريا، الذي تتجاوز أهدافه مسألة نظام الأسد والثورة، إلى أهداف أخرى ذات صلة بتنافس دولي روسي أميركي مع دول إقليمية أخرى، مثل إيران وتركيا، على النفوذ في المنطقة، والبحر المتوسط، وغربي آسيا.

هذا البُعد ليس وليد الحاضر فقد كانت لسورية أهمية بالنسبة للصليبيين في القرنين الثاني عشر والثالث عشر لأنها تقع على الطريق بين أوروبا والقدس. لذلك جردّت عشرات الحملات الصليبية لاحتلال المنطقة تحت شعارات ” دينية”, ومع بدايات القرن العشرين باتت سورية محط أنظار العالم بعد اكتشاف النفط في السعودية بكميات هائلة, فكان أول تدخل أميركي في سوريا بعد عام من استقلالها أي في العام 1947م, وبما أن سورية تقع على طريق خط أنابيب ” التابلاين ” المفترض مروره عبر سورية إلى المتوسط لابد من تأمينه ولكن موافقة واشنطن على قرار تقسيم فلسطين في الجمعية العامة 1947وما رافقه من احتجاجات شعبية أوقفت المشروع, وقام الرئيس القوتلي، المنتخب شعبيا، بإيقاف المصادقة على المشروع إلى أجل غير مسمى.

ولكن الأميركان جندوا العقيد حسني الزعيم أحد ضباط الجيش السوري وأوصلوه إلى السلطة بانقلاب عسكري في آذار عام 1949، الذي صادق على اتفاقية خط التابلاين الذي بدأ عمليا ضخ النفط لأشهر, حيث أطاح به زميله العقيد أديب الشيشكلي, وبعد عدة محاولات انقلابية فاشلة انسحبت واشنطن من المشهد السوري لتقع البلاد في الحضن السوفياتي.

ومع ذلك ظل البعد الجيوسياسي لسورية مهما فقد عرضت قبل عقد مضى كلا من قطر وإيران مد خطوط أنابيب عبر الأراضي السورية, ولكن الثورة السورية أوقفت كل المشاريع الدولية والإقليمية,  ليبدأ التنافس الدولي والإقليمي من جديد حول سورية, وانتظر جميع المراقبين تدخل الولايات المتحدة لعقاب الأسد الذي استخدم السلاح الكيماوي ضد الشعب الأعزل في أعقاب اندلاع الثورة السورية في العام 2011، لكن واشنطن التي انصرفت عن سورية قبل أكثر من نصف قرن لم تكن مستعدة للتدخل في قضية لا تشكل أهمية لها, فيما بدت روسيا متعطشة لعرض عضلاتها العسكرية, ولاحتكار العرض الأوربي للنفط, مما دفعها لمحاولة السيطرة على سورية, من خلال تأمين حماية الأسد المجرم من العقاب الدولي, ووأد الثورة السورية, وبعد ثلاث سنوات من الحرب التي تشنها روسيا ضد الشعب السوري تمكنت من احتلال الجزء من سورية, وتعمل على إعادة تفعيل المعابر والممرات الاستراتيجية مع دول الجوار لتنشيط حركة التجارة وفك العزلة السياسية, واستدرار دولي وإقليمي لإعادة الإعمار. وهذا ما لا يمكن تحقيقه بعد العودة الأميركية الخجولة للمشهد السوري.

ولكن ما تتجاهله موسكو أن سورية بموقعها الاستراتيجي, وبعدها الجيوسياسي,  وإرادة شعبها, ستظل منطقة مشتعلة ما دام نظام الأسد العميل يسيطر على مقاليد السلطة كواجهة للمحتلين.